الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٥٧ - قصة حبه ليلى في رواية رباح العامري
فسلّم فردّت عليه السّلام و تحفّت في المسألة [١]، و جلس إليها فحادثته و حادثها فأكثرا، و كلّ واحد منهما مقبل على/ صاحبه معجب به، فلم يزالا كذلك حتى أمسيا، فانصرف إلى أهله فبات بأطول ليلة شوقا إليها، حتى إذا أصبح عاد إليها فلم يزل عندها حتى أمسى، ثم انصرف إلى أهله فبات بأطول من ليلته الأولى و اجتهد أن يغمض فلم يقدر على ذلك، فانشأ يقول:
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا
لي الليل هزّتني إليك المضاجع
أقضّي نهاري بالحديث و بالمنى
و يجمعني و الهمّ بالليل جامع
لقد ثبتت في القلب منك محبّة
كما ثبتت في الراحتين الأصابع [٢]
- عروضه من الطويل، و الغناء لإبراهيم الموصليّ رمل بالوسطى عن عمرو- قال: و أدام زيارتها و ترك من يأتيه فيتحدّث إليه غيرها، و كان يأتيها في كلّ يوم فلا يزال عندها نهاره أجمع حتى إذا أمسى انصرف، فخرج ذات يوم يريد زيارتها فلما قرب من منزلها لقيته جارية عسراء [٣] فتطير منها، و أنشأ يقول:
و كيف يرجّى وصل ليلى و قد جرى
بجدّ [٤] القوى و الوصل أعسر حاسر [٥]
صديع [٦] العصا صعب المرام إذا انتحى [٧]
لوصل امرئ جدّت عليه الأواصر [٨]
/ ثم سار إليها في غد فحدّثها بقصته و طيرته ممن لقيه، و أنه يخاف تغيّر عهدها و انتكاثه و بكى، فقالت:
لا ترع [٩]، حاش للّه من تغيّر عهدي، لا يكون و اللّه ذلك أبدا إن شاء اللّه، فلم يزل عندها يحادثها [١٠] بقية يومه، و وقع له في قلبها مثل ما وقع لها في قلبه، فجاءها يوما كما كان يجيء، و أقبل يحدّثها فأعرضت عنه، و أقبلت على غيره بحديثها، تريد بذلك محنته و أن تعلم ما في قلبه، فلما رأى ذلك جزع جزعا شديدا حتى بان في وجهه و عرف فيه، فلما خافت عليه أقبلت عليه كالمسرّة إليه فقالت:
كلانا مظهر للناس بغضا
و كلّ عند صاحبه مكين
فسرّي [١١] عنه و علم ما في قلبها، فقالت له: إنما أردت أن أمتحنك و الذي لك عندي أكثر من الذي لي
[١] كذا في ت. و في ح: «أحفت المسألة» و معناهما بالغت في ملاطفته و السؤال عنه. و في بقية النسخ: «أخفت المسألة» بالخاء المعجمة و هو تحريف.
[٢] ستأتي هذه الأبيات في قصيدة منسوبة إلى قيس بن ذريح بالجزء الثامن من «الأغاني» طبع بولاق.
[٣] أن شؤم.
[٤] الجدّ: القطع. و القوى: جمع قوّة و هي الطاقة الواحدة من طاقات الحبل.
[٥] الحاسر: الكاشف يوصف به الرجل و المرأة، يقال: امرأة حاسر بغيرها. إذا حسرت عنها درعها، و كل مكشوفة الرأس و الذراعين:
حاسر.
[٦] من الصدع بمعنى الشق و هو كناية عن الفراق. قال أبو الهيثم: العصا تضرب مثلا للاجتماع و يضرب انشقاقها مثلا للافتراق الذي لا يكون بعده اجتماع، و ذلك لأنها لا تدعى عصا إذا انشقت (انظر «لسان العرب» مادّة صدع).
[٧] انتحى: قصد.
[٨] الأواصر: جمع آصرة و هي ما عطفك على رجل من رحم أو قرابة أو صهر أو معروف.
[٩] لا ترع: لا تخف و لا يلحقك فزع.
[١٠] كذا في ت. و في سائر النسخ: «يحدّثها».
[١١] أي انجلى همه و انكشف.