الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤٧ - حديثه مع نسوة فيهن ليلى
ابن عقيل يقال له: قيس بن معاذ، و كان يدعى المجنون، و كان صاحب غزل و مجالسة للنساء، فخرج على ناقة له يسير، فمرّ بامرأة من بني عقيل يقال لها: كريمة، و كانت جميلة عاقلة، معها نسوة فعرفنه و دعونه إلى النزول و الحديث، و عليه حلّتان له فاخرتان و طيلسان و قلنسوة، فنزل فظلّ يحدّثهنّ و ينشدهنّ و هنّ أعجب شيء به فيما يرى، فلمّا أعجبه ذلك منهنّ عقر لهنّ ناقته،/ و قمّن إليها فجعلن يشوين [١] و يأكلن إلى أن أمسى، فأقبل غلام شابّ حسن الوجه من حيّهن فجلس إليهنّ، فأقبلن عليه بوجوههنّ يقلن له: كيف ظللت [٢] يا منازل اليوم؟ فلما رأى ذلك من فعلهنّ غضب، فقام و تركهنّ و هو يقول:
أ أعقر من جرّا كريمة ناقتي
و وصلي مفروش لوصل منازل
إذا جاء قعقعن الحليّ و لم أكن
إذا جئت أرضى صوت تلك الخلاخل [٣]
قال: فقال له الفتى: هلمّ نتصارع أو نتناضل، فقال له: إن شئت ذلك فقم إلى حيث لا تراهنّ و لا يرينك، ثم ما شئت فافعل، و قال:
إذا ما انتضلنا في الخلاء نضلته
و إن يرم رشقا عندها فهو ناضلي [٤]
و قال ابن الكلبيّ في هذا الخبر: فلما أصبح لبس حلّته و ركب ناقته و مضى متعرّضا لهنّ، فألفى ليلى جالسة بفناء بيتها، و كانت معهنّ يومئذ جالسة، و قد علق بقلبها و هويته، و عندها جويريات يحدّثنها، فوقف بهنّ و سلّم، فدعونه إلى النزول و قلن له: هل لك في محادثة من لا يشغله عنك منازل و لا غيره؟ قال: إي لعمري، فنزل و فعل فعلته بالأمس، فأرادت أن تعلم هل لها عنده مثل ما له عندها، فجعلت/ تعرض عن حديثه ساعة بعد ساعة و تحدّث غيره، و قد كان علق حبّها بقلبه و شغفه [٥] و استملحها، فبينا هي تحدّثه إذ أقبل فتى من الحيّ فدعته فسارّته سرارا طويلا ثم قالت له انصرف، فانصرف، و نظرت إلى وجه المجنون قد تغيّر و امتقع [٦] و شقّ عليه ما فعلت، فأنشأت تقول:
كلانا مظهر للناس بغضا
و كل عند صاحبه مكين
تبلّغنا العيون مقالتينا
و في القلبين ثمّ هوى دفين
- كذلك بالجزء الثالث عشر من «الأغاني» طبع بولاق ص ١٢٢.
[١] كذا في أغلب النسخ. و في ت: «يشتوين» و كلاهما صحيح.
[٢] في ت: «ظلت» و هي لغة فيها.
[٣] جاء هذا الشطر في «تزيين الأسواق» ص ٦٣ طبع بولاق هكذا:
إذا جئت بل أخفين صوت الخلاخل
و قال في تفسيره: يقول قد أظهرت صوت الحلّي حين جاء منازل، و هذه كناية عن قيامهن له، و لم يكن ذلك عند مجيئي.
[٤] كذا في ت، ح، و «تزيين الأسواق». و في باقي النسخ: «ناضل» بغير ياء المتكلم، و آثرنا ما أثبتناه بالأصل لأنه أتم مقابلة لقوله نضلته، و لأن قوله: «نضلته» هكذا بالضمير ظاهر في أنّ الشاعر أتى بهذا البيت في هيئة المتصل بالبيتين السابقين و هذا يستدعي كسر اللام حتى يكون على رويّهما كما تقدّم في صحيفة ١٣ من هذا الجزء.
[٥] في ت: «و شغفته».
[٦] كذا في أغلب النسخ و في ب، س: «انتقع» و امتقع و انتقع و ابتقع بمعنى واحد و هو أن يتغير من حزن أو فزع، قال صاحب «اللسان» في مادة نقع: و امتقع بالميم أجود.