الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٤ - ترهب هند بعد قتل عدي
فوقعت هند في نفس عديّ، فلبث حولا لا يخبر بذلك أحدا. فلما كان بعد حول و ظنّت مارية أنّ هندا قد أضربت عمّا جرى وصفت لها بيعة دومة- و قال خالد بن كلثوم: بيعة توما [١] و هو الصحيح- و وصفت لها من فيها من الرواهب، و من يأتيها من جواري الحيرة، و حسن بنائها و سرجها؛ و قالت لها: سلي أمّك الإذن لك في إتيانها، فسألتها ذلك فأذنت لها، و بادرت مارية إلى عديّ فأخبرته الخبر فبادر فلبس يلمقا [٢] كان «فرخانشاه مرد» قد كساه إياه، و كان/ مذهبا لم ير مثله حسنا، و كان عديّ حسن الوجه، مديد القامة، حلو العينين، حسن المبسم، نقيّ الثّغر. و أخذ معه جماعة من فتيان الحيرة، فدخل البيعة؛ فلما رأته مارية قالت لهند: انظري إلى هذا الفتى! فهو و اللّه أحسن من كلّ ما ترين من السرج و غيرها! قالت: و من هو؟ قالت: عديّ بن زيد؛ قالت: أ تخافين أن يعرفني إن دنوت منه لأراه من قريب؟ قالت: و من أين يعرفك و ما رآك قطّ من حيث يعرفك! فدنت منه و هو يمازح الفتيان الذين معه و قد برع عليهم بجماله، و حسن كلامه و فصاحته، و ما عليه من الثياب، فذهلت لمّا رأته و بهتت [٣] تنظر إليه. و عرفت مارية ما بها و تبيّنته في وجهها، فقالت لها: كلّميه، فكلّمته، و انصرفت و قد تبعته نفسها و هويته، و انصرف بمثل حالها. فلما كان الغد تعرّضت له مارية، فلما رآها هشّ لها، و كان قبل ذلك لا يكلّمها، و قال لها:
ما غدا بك؟ قالت: حاجة إليك، قال: اذكريها، فو اللّه لا تسأليني شيئا إلا أعطيتك إياه، فعرّفته أنها تهواه، و أن حاجتها الخلوة به على أن تحتال له في هند، و عاهدته على ذلك؛ فأدخلها حانوت خمّار في الحيرة و وقع عليها، ثم خرجت فأتت هندا، فقالت: أ ما تشتهين أن تري عديا؟ قالت: و كيف لي به؟ قالت: أعده مكان كذا و كذا في ظهر القصر و تشرفين عليه؛ قالت: افعلي، فواعدته إلى ذلك المكان، فأتاه و أشرفت هند عليه، فكادت تموت [٤]، و قالت: إن لم تدخليه إليّ هلكت. فبادرت الأمة إلى النعمان فأخبرته خبرها و صدقته، و ذكرت أنها قد شغفت به، و أن سبب ذلك رؤيتها إياه في يوم الفصح، و أنه إن لم يزوّجها به افتضحت في أمره أو ماتت؛ فقال لها: ويلك! و كيف أبدؤه/ بذلك! فقالت: هو أرغب في ذلك من أن تبدأه أنت،/ و أنا أحتال في ذلك من حيث لا يعلم أنك عرفت أمره. و أتت عديّا فأخبرته الخبر، و قالت: ادعه، فإذا أخذ الشراب منه فاخطب إليه فإنه غير رادّك؛ قال: أخشى أن يغضبه ذلك فيكون سبب العداوة بيننا؛ قالت: ما قلت لك هذا حتى فرغت منه معه؛ فصنع عديّ طعاما و احتفل فيه، ثم أتى النعمان بعد الفصح بثلاثة أيام، و ذلك في يوم الاثنين، فسأله أن يتغدّى عنده هو و أصحابه، ففعل. فلما أخذ منه الشراب خطبها إلى النعمان، فأجابه و زوّجه و ضمّها إليه بعد ثلاثة أيام.
ترهب هند بعد قتل عديّ
قال خالد بن كلثوم: فكانت [٥] معه حتى قتله النعمان، فترهّبت و حبست نفسها في الدير المعروف بدير هند [٦] في ظاهر الحيرة. و قال ابن الكلبيّ: بل ترهّبت بعد ثلاث سنين و منعته نفسها و احتبست في الدير حتى
[١] ذكر ياقوت في «معجم البلدان» دير توما و لم يذكر موقعه و إنما أورد فيه أبياتا للزار الفقعسيّ منها:
تصيح إذا هجعت بدير توما
حمامات يزدن الليل طولا
[٢] اليلمق: القباء، فارسيّ معرّب.
[٣] كذا في ح، أ. و في ب، س: «هبت».
[٤] كذا في ح بدون أن و هو الأفصح. و في باقي النسخ: «أن تموت».
[٥] كذا في أغلب الأصول. و في م، أ: «فمكثت».
[٦] دير هند هذا هو المسمى بدير هند الصغرى، أما دير هند الكبرى فهو أيضا بالحيرة، و قد بنته هند أم عمرو بن هند، و هي هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار الكنديّ. انظر «معجم البلدان» لياقوت في اسم «دير هند الصغرى» و «دير هند الكبرى».