الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٨٠ - حج و لقيه جماعة من قريش فاحتالوا عليه حتى غنى لهم
سمع الشعبيّ غناءه فمدحه
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدّثنا محمد بن سلّام قال حدّثني عمر بن أبي خليفة قال:
كان الشّعبي مع أبي في أعلى الدار، فسمعنا تحتنا غناء حسنا، فقال له أبي: هل ترى شيئا؟ قال: لا، فنظرنا فإذا غلام حسن الوجه حديث السنّ يتغنّى:
قالت عبيد تجرّما [١]
في القول فعل المازح
فما سمعت غناء كان أحسن منه، فإذا هو ابن عائشة، فجعل الشّعبيّ يتعجّب من غنائه، و يقول: يؤتي الحكمة من يشاء.
نسبة هذا الصوت
صوت
قالت عبيد تجرّما
في القول فعل المازح
أنجز بعمرك وعدنا
فأظنّ حبّك فاضحي
فأجبتها لو تعلم
ين بما تجنّ جوانحي
فيما أرى لرحمتني
من خمل حبّ فادح
ما في البرية لي هوى
فاسمع مقالة ناصح
أشكو إليه جفاءكم
إلّا سلام مصافحي
زعم حبش أنّ الغناء لابن عائشة خفيف ثقيل بالبنصر.
حج و لقيه جماعة من قريش فاحتالوا عليه حتى غنى لهم
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني بعض أهل المدينة قال: حدّثني من رأى ابن عائشة حاجّا و قد دعاه فتية من بني هاشم فأجابهم، قال: و كنت فيهم، فلمّا دخلنا جعلوا صدر المجلس لابن عائشة فجلس فتحدّثوا حتّى حضر الطعام؛ فلما طعموا دعا بشراب فشربوا، و كان ابن عائشة إذا سئل أن يغنّي أبى ذلك و غضب، فإذا تحدّث القوم بحديث و مضى فيه شعر قد غنّى فيه ابتدأ هو فغنّاه، فكان من فطن له يفعل ذلك به، فقال رجل منهم: حدّثني اليوم رجل من الأعراب ممّن كان يصاحب جميلا بحديث عجيب؛ فقال القوم: و ما هو؟ فقال:
حدّثني أن جميلا بينما هو يحدّثه كما كان يحدّثه إذ أنكره و رأى منه غير ما كان يرى، فثار نافرا، مقشعرّ الشعر، متغيّر اللّون، إلى ناقة له مجتمعة [٢] قريبة من الأرض، موثّقة [٣] الخلق، فشدّ عليها رحله ثم أتاها بمحلب فيه لبن
[١] أي تجنيا يقال: تجرّم عليه أي ادّعى عليه ذنبا لم يفعله.
[٢] أي شديدة قويّة.
[٣] كذا في ط، و ناقة موثقة الخلق أي محكمة قوية و في باقي الأصول «مؤنقة» أي معجبة لمن رآها لحسن منظرها. تقول: آنقني الشيء إيناقا أي أعجبني.