الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣٦ - طلب من كعب بن زهير أن يقول شعرا يضعه فيه بعده فقال، و هجاه لذلك مزرد بن ضرار
/ و جعل يدهور هذا البيت في أشداقه و لا يرى إنسانا، إذ اطّلع في ركيّ [١] أو حوض فرأى وجهه فقال:
أرى لي وجها شوّه اللّه خلقه
فقبّح من وجه و قبّح حامله
قدم المدينة فجمعت له قريش العطايا خوفا من شره
نسخت من كتاب الحرميّ بن أبي العلاء: حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي قال:
قدم الحطيئة المدينة فأرصدت [٢] قريش له العطايا خوفا من شرّه، فقام في المسجد فصاح: من يحملني على بغلين.
أخبرني أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلّام و أخبرني الحسين بن يحيى المرداسي قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال قال أبو عبيدة و المدائنيّ و مصعب:
كان الحطيئة سئولا جشعا، فقدم المدينة و قد أرصدت له قريش العطايا، و الناس في سنة مجدبة و سخطة من خليفة، فمشى أشراف أهل المدينة بعضهم إلى بعض، فقالوا: قد قدم علينا هذا الرجل و هو شاعر، و الشاعر يظنّ فيحقّق، و هو يأتي الرجل من أشرافكم يسأله، فإن أعطاه جهد نفسه بهرها [٣]، و إن حرمه هجاه، فأجمع رأيهم على أن يجعلوا له شيئا معدّا يجمعونه بينهم له، فكان أهل البيت من قريش و الأنصار يجمعون له العشرة و العشرين و الثلاثين دينارا [٤] حتى جمعوا له أربعمائة دينار، و ظنوا أنهم قد أغنوه، فأتوه فقالوا له: هذه صلة آل فلان و هذه صلة آل فلان و هذه صلة آل فلان، فأخذها؛ فظنوا أنهم قد كفّوه عن المسألة، فإذا هو يوم الجمعة قد استقبل الإمام ماثلا [٥] ينادي: من يحملني على بغلين وقاه اللّه كبّة [٦] جهنّم.
كان متين الشعر و ليس في شعره مطعن
و وصف أبو عبيدة و محمد بن سلّام شعر الحطيئة فجمعت متفرّق ما وصفاه به في هذا الخبر، أخبرنا به أبو خليفة عن محمد بن سلّام و ابن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة قالا:
طلب من كعب بن زهير أن يقول شعرا يضعه فيه بعده فقال، و هجاه لذلك مزرد بن ضرار
كان الحطيئة متين الشعر، شرود [٧] القافية، و كان دنىء النفس، و ما تشاء أن تطعن في شعر شاعر إلا وجدت فيه مطعنا، و ما أقلّ ما تجد ذلك في شعره. قالا: فبلغ من دناءة نفسه أنه أتى كعب بن زهير- و كان الحطيئة راوية زهير/ و آل زهير- فقال له: قد علمت روايتي لكم أهل البيت و انقطاعي إليكم، و قد ذهب الفحول غيري و غيرك، فلو
[١] الركيّ: البئر.
[٢] أرصدت: أعدّت.
[٣] أي كلف نفسه فوق طاقتها.
[٤] كذا في ح. و في سائر الأصول: «الدينار» بأل و هو خطأ عربية.
[٥] من مثل يمثل إذا انتصب قائما.
[٦] أورد ابن الأثير في «النهاية» في مادة كب و صاحب «اللسان» في مادتي كب و قلب قول معاوية حين احتضر و كان يقلّب على فراشه:
«إنكم لتقلبون حوّلا قلبا إن وقي كبة النار» ثم قالا: الكبة بالفتح: شدّة الشيء و معظمه، و كبة النار: صدمتها.
[٧] يقال: قافية شرود: سائرة في البلاد تشرد كما يشرد البعير.