الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٤٦ - نزل على بني مقلد بن يربوع فأحسنوا جواره و مدحهم
فقلت له: أ ليس هذا للحطيئة؟ فقال: بلى، و أنا صاحبه من الجن.
أنشد ابن شبرمة من شعره و قال هو من جيد الشعر
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال:
قال ابن عيينة: سمعت ابن شبرمة يقول: أنا و اللّه أعلم بجيّد الشعر، لقد أحسن الحطيئة حيث يقول:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنى
و إن عاهدوا أوفوا و إن عقدوا شدّوا
و إن كانت النّعماء فيهم جزوا بها
و إن أنعموا لا كدّروها و لا كدّوا
و إن قال مولاهم على جلّ حادث
من الدهر ردّوا فضل أحلامكم ردّوا
قال: و قال الأصمعيّ و قد سأله أبو عدنان عن هذا البيت: ما واحد البنى، قال: بنية؛ فقال له:/ أ تجمع فعلة على فعل؟ قال: نعم مثل رشوة و رشى و حبوة و حبى [١].
نزل على بني مقلد بن يربوع فأحسنوا جواره و مدحهم
حدّثنا أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني محمد بن أحمد بن صدقة الأنباريّ قال حدّثنا ابن الأعرابيّ عن المفضّل:
أن الحطيئة أقحمته السنة [٢]، فنزل ببني مقلّد بن يربوع، فمشى بعضهم إلى بعض و قالوا: إن هذا الرجل لا يسلم أحد من لسانه، فتعالوا حتى نسأله عما يحبّ فنفعله [٣] و عما يكره فنجتنبه؛ فأتوه فقالوا له: يا أبا مليكة، إنك اخترتنا على سائر العرب/ و وجب حقّك علينا، فمرنا بما تحبّ أن نفعله و بما تحب أن ننتهي عنه؛ فقال:
لا تكثروا زيارتي فتملّوني، و لا تقطعوها فتوحشوني، و لا تجعلوا فناء بيتي مجلسا لكم، و لا تسمعوا بناتي غناء شبّانكم، فإن الغناء رقية الزنا. قال: فأقام عندهم. و جمع كلّ رجل منهم ولده و قال: أمّكم الطلاق، لئن تغنّى أحد منكم و الحطيئة مقيم بين أظهرنا لأضربنّه ضربة بسيفي أخذت منه ما أخذت. فلم يزل مقيما فيما يرضى حتى انجلت عنه السّنة، فارتحل و هو يقول:
جاورت آل مقلّد فحمدتهم
إذ ليس كلّ [٤] أخي جوار يحمد
أيام [٥] من يرد الصنيعة يصطنع
فينا و من يرد الزّهادة يزهد [٦]
[١] الذي ورد في «كتب اللغة» بنية بالكسر و بنية بالضم، و ورد في جمعهما بنى بالكسر و بنى بالضم. و أنشد الفارسي بيت الحطيئة على ضم الباء في قوله «أحسنوا البنى». قال صاحب «اللسان»: و يروى «أحسنوا البنى» أي بالكسر. و الرشوة أيضا جاءت بتثليث الراء و جمعت على «رشي» بضم الراء و «رشي» بكسرها، و كذلك الحبوة بمعنى الثوب الذي يحتبي به رويت بكسر الحاء و ضمها و جمعت على حبي بالكسر و حبي بالضم.
[٢] أقحمته: أوقعته في شدة و مشقة. و السنة: الجدب.
[٣] كذا في ط. و في سائر النسخ: «فنفعله به».
[٤] كذا في أغلب الأصول. و في «الديوان»، أ، ء، ط: «إذا لا يكاد أخو».
[٥] في ط: «أزمان».
[٦] القافية تقتضي رفع يزهد، و وقوعه جوابا للشرط يقتضي جزمه. و لكن رفع المضارع الواقع جوابا بفعل شرط مضارع يجوز و لو في غير الضرورة و إن كان خلاف الأفصح. و في ط: «يزهد» بكسر الدال و هو اللغة الفصيحة و إن كان عليها قد دخله الإقواء و هو اختلاف حركة الرويّ رفعا و جرا.