الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩٧ - تولية أهل الحيرة زيدا أبا عدي على الحيرة و ابقاء اسم الملك للمنذر
/ و
ندامى لا يفرحون بما نا
لوا و لا يرهبون [١] صرف المنون
قد سقيت الشّمول في دار بشر
قهوة مرّة [٢] بماء سخين
ثم كان أوّل ما قاله بعدها قوله:
لمن الدار تعفّت بخيم [٣]
أصبحت غيّرها طول القدم
ما تبين العين من آياتها
غير نؤي مثل خطّ بالقلم
صالحا قد لفّها فاستوسقت [٤]
لفّ بازيّ حماما في سلم [٥]
تولية أهل الحيرة زيدا أبا عديّ على الحيرة و ابقاء اسم الملك للمنذر
قال: و فسد أمر الحيرة و عديّ بدمشق حتى أصلح أبوه بينهم، لأن أهل الحيرة حين كان عليهم المنذر أرادوا قتله لأنه كان لا يعدل فيهم، و كان يأخذ من أموالهم ما يعجبه، فلما تيقّن أن أهل الحيرة قد أجمعوا على قتله بعث إلى زيد بن حماد بن زيد بن أيوب، و كان قبله على الحيرة، فقال له: يا زيد أنت خليفة أبي، و قد بلغني ما أجمع عليه أهل الحيرة فلا حاجة لي في ملككم، دونكموه ملّكوه من شئتم؛ فقال له زيد: إنّ الأمر ليس إليّ، و لكنّي أسبر [٦] لك هذا الأمر و لا آلوك نصحا، فلما أصبح غدا إليه الناس فحيّوه تحيّة الملك، و قالوا له: أ لا تبعث إلى عبدك الظالم- يعنون المنذر- فتريح منه رعيّتك؟ فقال لهم: أ و لا خير من ذلك! قالوا: أشر علينا؛ قال: تدعونه على حاله فإنه من أهل بيت ملك، و أنا آتيه فأخبره أنّ أهل الحيرة قد اختاروا رجلا يكون أمر الحيرة إليه إلا أن يكون غزو أو قتال،/ فلك اسم الملك و ليس إليك سوى ذلك من الأمور؛ قالوا: رأيك أفضل. فأتى المنذر فأخبره بما قالوا؛ فقبل ذلك و فرح، و قال: إنّ لك يا زيد عليّ نعمة لا أكفرها ما عرفت حقّ سبد [٧]- و سبد صنم كان لأهل الحيرة- فولّى أهل الحيرة زيدا على كل شيء سوى اسم الملك فإنهم أقرّوه للمنذر. و في ذلك يقول عديّ:
نحن كنّا قد علمتم قبلكم
عمد البيت و أوتاد الإصار [٨]
- الجامع بدمشق و هو بابه الشرقيّ يقال له: «باب جيرون» و قال قوم: جيرون هي دمشق نفسها. انظر «معجم ياقوت».
[١] في م، أ: «يتّقون».
[٢] كذا بالأصول و لعلها مزّة و المزّة: الخمر اللذيذة الطعم و تفتح ميمها، سميت بذلك للذعها اللسان، قال الأعشى:
نازعتهم قضب الريحان متكأ
و قهوة مزّة راووقها خضل
و قد ورد هذا البيت في «اللسان» بضم الميم في مادة مزز و في «المخصص» في باب الخمر بفتحها.
[٣] خيم: موضع.
[٤] أي جمعها فاجتمعت.
[٥] السلم: شجر ورقه القرظ الذي يدبغ به.
[٦] سبر الأمر: اختبره و استخرج كنهه.
[٧] لم نجد اسم هذا الصنم في «كتاب الأصنام» لابن الكلبيّ و لا في «كتب اللغة» التي بين أيدينا. و قد اطلعنا على مقالة للأب انستانس الكرملي نشرت في صحيفة دار السلام البغدادية في عدد تشرين الثاني سنة ١٩١٩ م و أورد صاحب المقالة المذكورة كلام «الأغاني» هذا و قال فيه: «و لعله مصريّ الأصل إذ كان عند أبناء وادي النيل إله يعرف باسم (سوبدو)».
[٨] الإصار: الطنب و هو حبل الخباء و السرادق و نحوهما.