الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٦٧ - المغنون المشهورون بالحيرة غير حنين و نوع غنائهم
شيء من أوصاف الحيرة
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد بن إسحاق: قرأت على أبي، و قال أبو عبيد اللّه الكاتب حدّثني سليمان بن بشر بن عبد الملك بن بشر بن مروان قال:
و كان بعض ولاة الكوفة يذمّ الحيرة في أيام بني أميّة، فقال له رجل من أهلها- و كان عاقلا ظريفا-: أ تعيب بلدة يضرب بها المثل في الجاهليّة و الإسلام! قال: و بما ذا تمدح؟ قال: بصحّة هوائها، و طيب مائها، و نزهة ظاهرها، تصلح للخفّ و الظّلف، سهل و جبل، و بادية و بستان، و برّ و بحر، محلّ الملوك و مزارهم [١]، و مسكنهم و مثواهم، و قد قدمتها- أصلحك اللّه- مخفّا فرجعت مثقلا و وردتها [٢] مقلّا فأصارتك مكثرا، قال: فكيف نعرف ما وصفتها به من الفضل؟ قال: بأن تصير إليّ [٣]، ثم ادع ما شئت من لذّات العيش، فو اللّه لا أجوز بك الحيرة فيه؛ قال: فاصنع لنا صنيعا و اخرج من قولك؛ قال: أفعل، فصنع لهم طعاما و أطعمهم من خبزها و سمكها و ما صيد من وحشها: من ظباء و نعام و أرانب و حبارى [٤]، و سقاهم ماءها/ في قلالها، و خمرها في آنيتها، و أجلسهم على رقمها [٥]- و كان يتّخذ بها من الفرش أشياء ظريفة- و لم يستخدم لهم حرّا و لا عبدا إلّا من مولّديها و مولّداتها من خدم و وصائف [و وصفاء] [٦] كأنهم اللؤلؤ، لغتهم لغة أهلها، ثم غنّاهم حنين و أصحابه في شعر عديّ بن زيد شاعرهم و أعشى همدان لم يتجاوزهما، و حيّاهم برياحينها، و نقّلهم [٧] على خمرها، و قد شربوا بفواكهها؛ ثم قال له: هل رأيتني استعنت على شيء مما رأيت و أكلت و شربت و افترشت و شممت و سمعت بغير ما في الحيرة؟ قال: لا و اللّه، لقد أحسنت صفة بلدك و نصرته فأحسنت نصرته و الخروج ممّا تضمّنته، فبارك اللّه لكم في بلدكم.
المغنون المشهورون بالحيرة غير حنين و نوع غنائهم
قال إسحاق: و لم يكن بالحيرة مذكور في الغناء سوى حنين إلّا نفرا من السّدريّين يقال لهم: عباديس، و زيد بن الطّليس، و زيد بن كعب، و مالك بن حممة، و كانوا يغنّون غناء الحيرة بين الهزج و النّصب [٨] و هو إلى النصب أقرب و لم يدوّن [٩] منه شيء لسقوطه و أنه ليس من أغاني الفحول. و ما سمعنا نحن لأحد من هؤلاء خبرا إلا لمالك بن حممة، أخبرني به عمّي عن عبد اللّه بن أبي سعد.
[١] في ط: «و مرادهم».
[٢] كذا في أغلب النسخ. و في س، ح: «وزرتها». و في ب: «ودرتها» و هو تحريف.
[٣] في ط: «اليها».
[٤] الحباري: طائر قال في كتاب «الحيوان»: إنه طويل العنق رماديّ اللون في منقاره بعض طول و هو يقع على الذكر و الأنثى واحده و جمعه سواء و إن شئت قلت في الجمع حباريات، و هو ممنوع من الصرف معرفا و منكرا.
[٥] الرقم: ضرب مخطط من الوشي أو الخز.
[٦] زيادة في ط و الوصائف: جمع وصيفة و هي الجارية البالغة حد الخدمة، و الوصفاء: جمع وصيف و هو الغلام البالغ حدّ الخدمة أيضا. و قد يقال الوصيف للخادم غلاما كان أو جارية.
[٧] نقلهم: أطعمهم النقل، و النقل: ما يتنقل به على الشراب من فستق و تفاح و نحوهما.
[٨] النصب: غناء يشبه الحداء إلا أنه أرق.
[٩] كذا في ط. و في باقي الأصول: «يذروا منه شيئا» و هو تحريف.