الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٥٣ - شفع له عبد الرحمن بن عوف عند عمر
أهلي فداؤك كم بيني و بينهم
من عرض داوية [١] تعمى بها الخبر
- قال فبكى حين قال:
ما ذا تقول لأفراخ بذي مرخ
فقال عمرو بن العاص: ما أظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء أعدل من رجل يبكي على تركه الحطيئة- فقال عمر: عليّ بالكرسيّ، فأتي به، فجلس عليه ثم قال: أشيروا/ عليّ في الشاعر، فإنه يقول الهجر [٢] و ينسب بالحرم و يمدح الناس و يذمّهم بغير ما فيهم، ما أراني إلّا قاطعا لسانه، ثم قال: عليّ بالطّست [٣]، فأتي بها، ثم قال: عليّ بالمخصف [٤]، عليّ بالسّكّين، لا بل عليّ بالموسى، فهو أوحى [٥]؛ فقالوا لا يعود يا أمير المؤمنين، فأشاروا [٦] إليه أن قل لا أعود؛ فقال: لا أعود يا أمير المؤمنين؛ فقال له: النّجاء. قال: فلما ولّى قال له عمر:
يا حطيئة، كأني بك عند فتى من قريش، قد بسط لك نمرقة [٧] و كسر له/ أخرى و قال: غنّنا يا حطيئة فطفقت تغنّيه بأعراض الناس. قال ابن أسلم: فما انقضت الدنيا حتى رأيت الحطيئة عند عبيد اللّه بن عمر قد بسط له نمرقة و كسر له أخرى و قال: غنّنا يا حطيئة، فجعل يغنّيه، فقلت له: يا حطيئة، أ تذكر قول عمر؟ ففزع و قال:
يرحم اللّه ذلك المرء، أما إنه لو كان حيّا ما فعلت. قال: و قلت لعبيد اللّه: سمعت أباك يقول كذا و كذا فكنت أنت ذلك الرجل.
اشترى منه عمر أعراض المسلمين بعطاء
و روي عن عبد اللّه بن المبارك أنّ عمر رضي اللّه عنه لما أطلق الحطيئة أراد أن يؤكد عليه الحجة فاشترى منه أعراض المسلمين جميعا بثلاثة آلاف درهم؛ فقال الحطيئة في ذلك:
و أخذت أطراف الكلام فلم تدع
شتما يضرّ و لا مديحا ينفع
و حميتني عرض اللئيم فلم يخف
دمي و أصبح آمنا لا يفزع
شفع له عبد الرحمن بن عوف عند عمر
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال حدّثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ عن عمه عن نافع بن أبي نعيم:
/ أن عبد الرحمن بن عوف هو الذي استرضى عمر بن الخطاب و كلّمه في أمر الحطيئة حتى أخرجه من السجن. قال حمّاد و أخبرني أبي عن أبي عبيدة أن عمر رضي اللّه عنه لما أطلقه قال الشاعر النّمريّ الذي كان الزبرقان حمله على هجاء بغيض:
[١] الداوية و الدوّية: الفلاة الواسعة.
[٢] كذا في ط. و في سائر النسخ: «الهجو» بالواو.
[٣] كذا في ط. و في سائر النسخ: «عليّ بطست» بالتنكير.
[٤] المخصف: مخرز الإسكافي و هو الإشفى.
[٥] في ح: «فهي أوحى» و الموسى يذكر و يؤنث. و أوجى: أسرع.
[٦] كذا في جميع النسخ بالفاء. و المناسب للمقام هنا العطف بالواو.
[٧] النمرقة: الوسادة.