الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١١ - استجارة النعمان بسادات العرب ثم تسليمه نفسه لكسرى
الرسول لزيد بالفارسية: ما المها و العين؟ فقال له بالفارسية: كاوان أي البقر؛ فأمسك الرسول. و قال زيد للنعمان:
إنما أراد الملك كرامتك، و لو علم أنّ هذا يشقّ عليك لم يكتب إليك به. فأنزلهما يومين عنده، ثم كتب إلى كسرى:
إن الذي طلب الملك ليس عندي، و قال لزيد: اعذرني عند الملك. فلما رجعا إلى كسرى؛ قال زيد للرسول الذي قدم معه: اصدق الملك عما سمعت، فإني سأحدّثه بمثل حديثك و لا أخالفك فيه. فلما دخلا على كسرى، قال زيد: هذا كتابه إليك، فقرأه عليه. فقال له كسرى: و أين الذي كنت خبّرتني به؟ قال: قد كنت خبّرتك بضنّتهم بنسائهم على غيرهم، و إنّ ذلك من شقائهم و اختيارهم الجوع و العري على الشّبع/ و الرّياش، و إيثارهم السّموم و الرياح على طيب أرضك هذه، حتى إنهم ليسمّونها السّجن، فسل هذا الرسول الذي كان معي عمّا قال، فإني أكرم الملك عن مشافهته بما قال و أجاب به. قال للرسول: و ما يقال! أيها الملك، إنه قال: أ ما كان في بقر السواد و فارس ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا، فعرف الغضب في وجهه، و وقع في قلبه منه ما وقع، لكنّه لم يزد على أن قال: ربّ عبد قد أراد ما هو أشدّ من هذا ثم صار أمره إلى التّباب. و شاع هذا الكلام حتى بلغ النعمان، و سكت كسرى أشهرا على ذلك.
استجارة النعمان بسادات العرب ثم تسليمه نفسه لكسرى
و جعل النعمان يستعدّ و يتوقّع حتى أتاه كتابه: أن أقبل فإن للملك حاجة إليك، فانطلق حين أتاه كتابه فحمل سلاحه و ما قوي عليه، ثم لحق بجبلي طيء و كانت فرعة [١] بنت سعد بن حارثة بن لأم عنده، و قد ولدت له رجلا و امرأة، و كانت أيضا عنده زينب بنت أوس بن حارثة، فأراد النعمان طيّئا على أن يدخلوه الجبلين و يمنعوه فأبوا ذلك عليه، و قالوا له: لو لا صهرك لقتلناك، فإنه لا حاجة بنا إلى معاداة كسرى، و لا طاقة لنا به. و أقبل يطوف على قبائل العرب ليس أحد منهم يقبله، غير أنّ بني رواحة بن قطيعة بن عبس قالوا: إن شئت قاتلنا معك، لمنّة كانت له عندهم في أمر مروان [٢] القرظ، قال: ما أحبّ أن أهلككم، فإنه لا طاقة لكم بكسرى. فأقبل حتى نزل بذي [٣] قار في بني شيبان سرا، فلقي هانئ بن قبيصة، و قيل بل هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل/ بن شيبان، و كان سيدا منيعا، و البيت يومئذ من ربيعة في آل ذي الجدين لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد [٤] ذي الجدّين، و كان كسرى قد أطعم قيس بن مسعود الأبلّة [٥]، فكره النعمان أن يدفع إليه أهله لذلك، و علم أن هانئا يمنعه مما يمنع منه نفسه.
و قال حمّاد الرواية في خبره: إنه إنما استجار بهانئ كما استجار بغيره فأجاره، و قال له: قد لزمني ذمامك و أنا مانعك مما أمنع نفسي و أهلي و ولدي منه ما بقي من عشيرتي الأدنين رجل، و إنّ ذلك غير نافعك لأنه مهلكي
[١] كذا في «تاريخ الطبريّ» قسم ١ ص ١٠٢٧ و «شعراء النصرانية» و «الأغاني» طبع بولاق ج ٢٠ ص ١٣، و في ا، م: «قرعة» بالقاف و الراء. و في ب، س: «قزعة» بالقاف و الزاي.
[٢] هو مروان بن زنباع العبسيّ، أضيف إلى القرظ لأنه كان يغزو اليمن و بها منبته، أو لأنه كان يحمي القرظ لعزته. و يضرب به المثل في العزة فيقال: «أعز من مروان».
[٣] ذو قار: ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة بينها و بين واسط، و فيه كانت الوقعة المشهورة بين بكر بن وائل و الفرس.
[٤] كذا في في «تاج العروس» في مادة «جدد» و «تاريخ الطبريّ» قسم ١ ص ١٢٠٨ و «الكامل» لابن الأثير ج ١ ص ٣٥٦ و في جميع الأصول: «خلد» بدون ألف.
[٥] الأبلة: بلدة على شاطئ دجلة في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة، و هي أقدم من البصرة، و كانت مدينة فيها مسالح و قائد من قبل كسرى.