الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٨٦ - خبر شيخ من بني مرة لقى المجنون و شهده ميتا في واد
بغية له، فإذا هو بخيمة قد رفعت له و قد أصابه المطر فعدل إليها و تنحنح، فإذا امرأة قد كلّمته فقالت: انزل، فنزل.
[قال] [١]/ و راحت إبلهم و غنمهم فإذا أمر عظيم، فقالت: سلوا هذا الرجل من أين أقبل؛ فقلت: من ناحية تهامة و نجد؛ فقالت: ادخل أيها الرجل، فدخلت إلى ناحية من الخمية، فأرخت بيني و بينها سترا ثم قالت لي:
يا عبد اللّه، أيّ بلاد نجد وطئت؟ فقلت: كلّها؛ قالت: فبمن نزلت هناك؟ قلت: ببني عامر؛ فتنفّست الصّعداء ثم قالت: فبأيّ بني عامر نزلت؟ فقلت: ببني الحريش؛ فاستعبرت ثم قالت: فهل سمعت بذكر فتى منهم يقال له:
قيس بن الملوّح و يلقّب بالمجنون؟ قلت: بلى و اللّه! و على أبيه نزلت، و أتيته فنظرت إليه يهيم في تلك الفيافي، و يكون مع الوحش لا يعقل [و لا يفهم] [٢] إلا أن تذكر له امرأة يقال لها ليلى، فيبكي و ينشد أشعارا قالها فيها. قال:
فرفعت الستر بيني و بينها، فإذا فلقة قمر/ لم تر عيني مثلها، فبكت حتى ظننت- و اللّه- أن قلبها قد انصدع، فقلت:
أيّتها المرأة، اتّقي اللّه فما قلت بأسا، فمكثت طويلا على تلك الحال من البكاء و النحيب ثم قالت:
ألا ليت شعري و الخطوب كثيرة
متى رحل قيس مستقلّ فراجع
بنفسي من لا يستقلّ برحله
و من هو إن لم يحفظ اللّه ضائع
ثم بكت حتى سقطت مغشيّا عليها، فقلت لها: من أنت يا أمة اللّه؟ و ما قصّتك؟ قالت: أنا ليلى [صاحبته] [٢] المشئومة [و اللّه] [٢] عليه غير المؤنسة [٣] له؛ فما رأيت مثل حزنها و وجدها عليه [قطّ] [٢].
خبر شيخ من بني مرة لقى المجنون و شهده ميتا في واد
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، و حبيب بن نصر المهلبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال ذكر الهيثم ابن عديّ عن عثمان بن عمارة، و أخبرني [٤] عثمان عن الكرانيّ عن العمريّ عن لقيط، و حدّثنا إبراهيم بن أيوب عن عبد اللّه بن مسلم قال ذكر الهيثم/ بن عديّ عن عثمان بن عمارة، و ذكر أبو نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعيّ و أبو مسلم المستملي عن ابن الأعرابيّ- يزيد بعضهم على بعض- أن عثمان بن عمارة المرّي أخبرهم أنّ شيخا منهم من بني مرّة حدّثه أنه خرج إلى أرض بني عامر ليلقى المجنون، قال: فدللت على محلّته فأتيتها، فإذا أبوه شيخ كبير و إخوة له رجال، و إذا نعم كثير [٥] و خير ظاهر، فسألتهم عنه فاستعبروا جميعا، و قال الشيخ: و اللّه لهو كان آثر في نفسي من هؤلاء و أحبّهم إليّ! و إنه هوي امرأة من قومه، و اللّه ما كانت تطمع في مثله، فلمّا أن فشا أمره و أمرها كره أبوها أن يزوجها منه بعد ظهور الخبر فزوّجها من غيره، فذهب عقل ابني و لحقه خبل و هام في الفيافي وجدا عليها، فحبسناه و قيّدناه، فجعل [٦] يعضّ لسانه و شفتيه حتى خفنا [عليه] [٧] أن يقطعها [٨] فخلّينا سبيله، فهو يهيم في [هذه] [٧] الفيافي مع الوحوش يذهب إليه كلّ
[١] زيادة في ت.
[٢] زيادة في ت.
[٣] في ت: «المواسية».
[٤] في ت: «عمّي عن الكرانيّ».
[٥] كذا في ب، س، ح. و في باقي النسخ: «نعم كثيرة» بالتاء و كلاهما صحيح لأن النعم يذكر و يؤنث.
[٦] في ت: «فكان».
[٧] زيادة في ت.
[٨] كذا في أغلب الأصول. و في ت «يقطعهما».