الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٧٥ - شعره في حمام يتجاوب
فقد كنت طلّاع [١] النّجاد و معطى ال
جياد و سيفا لا تفلّ مضاربه
وعظه رجل من بني جعدة فقال شعرا
أخبرني حبيب بن نصر المهلبيّ قال حدّثنا عبد اللّه بن شبيب عن الحزاميّ عن محمد بن معن قال: بلغني أنّ رجلا من بني جعدة بن كعب كان أخا و خلا للمجنون، مرّ به يوما و هو جالس يخطّ في الأرض و يعبث بالحصى، فسلّم عليه و جلس عنده فأقبل يخاطبه و يعظه و يسلّيه، و هو ينظر إليه و يلعب [٢] بيده كما كان و هو مفكّر قد غمره ما هو فيه، فلما طال خطابه إياه قال: يا أخي، أ ما لكلامي جواب؟ فقال له: و اللّه يا أخي ما علمت أنك تكلّمني فاعذرني، فإني كما ترى مذهوب العقل [٣] مشترك اللّبّ و بكى، ثم أنشأ يقول:
صوت
و شغلت عن فهم الحديث سوى
ما كان منك فإنه شغلي
و أديم لحظ محدّثي ليرى
أن قد فهمت و عندكم عقلي
شعره في حمام يتجاوب
الغناء لعلّوية. و قال الهيثم: مرّ المجنون بواد في أيام الربيع و حمامه يتجاوب فأنشأ يقول:
صوت
ألا يا حمام الإيك ما لك باكيا
أ فارقت إلفا أم جفاك حبيب
دعاك الهوى و الشوق لما ترنّمت
هتوف [٤] الضحى بين الغصون طروب
تجاوب ورقا قد أذنّ [٥] لصوتها
فكلّ لكلّ مسعد [٦] و مجيب
الغناء لرذاذ [٧] ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى:
[١] يقال: فلان طلّاع الثنايا و طلّاع أنجد إذا كان يعلو الأمور فيقهرها بمعرفته و تجاربه و جودة رأيه. و النجاد و الأنجد: جمع نجد و هو الطريق في الجبل، و كذلك الثنية.
[٢] كذا في أغلب النسخ. و في ت: «و يعبث».
[٣] كذا في أغلب النسخ. و في ت، ح: «مذهوب بي».
[٤] هتفت الحمامة هتفا: ناحت، فهي هتوف.
[٥] أي استمعن لصوتها و أصغين إليه.
[٦] من أسعدت المرأة المرأة إذا ساعدتها بالنياحة في مصيبتها. و كانت النساء في الجاهلية إذا أصيبت إحداهنّ بمصيبة فيمن يعزّ عليها بكت حولا و أسعدها على ذلك جاراتها و ذوات قرابتها، فإذا أصيبت صواحباتها بعد ذلك بمصيبة أسعدتهنّ. و في الحديث: «لا إسعاد و لا عقر في الإسلام».
[٧] كذا وقع هنا هذا الاسم في ح بالذال المعجمة و هو الموافق لما اتفقت عليه النسخ فيما تقدّم بالجزء الأوّل ص ٩٦ و ١٠٠ و في سائر النسخ لرداد بالدال المهملة.