الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥١٦ - قص على سيار خبره معها آخر عهده بها حتى تزوجت
مطموما [١]، و طرحت لي وسادتين على عجز الفراش و أخريين على مقدّمه؛ قال: ثم تحدّثنا ساعة و كأنما تلعقني بحديثها الرّبّ [٢] من حلاوته، ثم إذا هي تصبّ في عسّ [٣] مخضوب بالحنّاء و الزعفران من ألبان اللّقاح، فأخذت منها ذلك/ العسّ و كأنه قناة فراوحته بين يديّ، ما ألقمته فمي و لا دريت أنه معي حتى قالت لي عجوز: أ لا تصلّي يا ابن ميادة لا صلّى اللّه عليك فقد أظلّك صدر النهار [٤]! و لا أحسب إلا أنّني في أوّل البكرة؛ قال: فكان ذلك اليوم آخر يوم كلّمتها فيه حتّى زوّجها أبوها، و هو أظرف [٥] ما كان بيني و بينها.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني حكم [٦] بن طلحة الفزاريّ ثم المنظوريّ قال:
قال ابن ميّادة: إنّي لأعلم أقصر يوم مرّ بي من الدهر، قيل له: و أيّ يوم هو يا أبا الشّرحبيل؟ قال: يوم جئت فيه أمّ جحدر باكرا فجلست بفناء بيتها فدعت لي بعسّ [٧] من لبن فأتيت به و هي تحدّثني، فوضعته على يدي و كرهت أن أقطع حديثها إن شربت، فما زال القدح على راحتي و أنا أنظر إليها حتى فاتتني صلاة الظهر [٨] و ما شربت.
قال الزبير: و حدّثني أبو مسلمة [٩] موهوب بن رشيد بمثل هذا، و زاد في خبره: و قال ابن ميّادة فيها أيضا:
أ لم تر أن الصارديّة جاورت
ليالي بالممدور غير كثير
ثلاثا فلما أن أصابت فؤاده
بسهمين من كحل [١٠] دعت بهجير
بأحمر [١١] ذيّال العسيب مفرّج [١٢]
كأنّ على ذفراه نضخ عبير
حلفت بربّ الراقصات إلى منى
زفيف القطا يقطعن بطن هبير [١٣]
لقد كان حبّ الصارديّة بعد ما
علا في سواد الرأس نبذ قتير [١٤]
[١] كذا في جميع الأصول و لعله محرّف عن «منضودا» أو نحو ذلك.
[٢] الرب بالضم: دبس الرطب إذا طبخ. و في ح: «و كأنما تلعقني الزبد».
[٣] العس: القدح الضخم يروي الثلاثة و الأربعة و العدّة. و في الحديث أنه «كان يغتسل في عس حرز ثمانية أرطال أو تسعة».
[٤] كذا في س، م، أ. و في سائر النسخ: «الرجال» و هو تحريف.
[٥] فيء، ط: «أطرف» بالطاء المهملة.
[٦] في ح: «حكيم» و لم نعثر على ترجيح إحدى الروايتين.
[٧] العس: القدح الضخم.
[٨] فيء، ط: «حتى فاتتني الأولى و ما شربت». و الأولى هي صلاة الظهر. و في الحديث: «أنه صلى اللّه عليه و آله و سلّم كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس»، و فسرها القسطلانيّ في ج ١ ص ٦٢٠ بصلاة الظهر، و قال: لأنها أول صلاة في إمامة جبريل عليه السلام.
[٩] كذا في ط و هو الموافق لما تقدّم باتفاق الأصول. و في سائر النسخ: «أبو سلمة».
[١٠] كذا روي فيما تقدّم قريبا و في أغلب الأصول «لغب» بالغين المعجمة و لم يظهر له معنى مناسب. و في ء: «من لعب» بالعين المهملة.
[١١] تقدم هذا البيت قريبا في ص ٢٧٧ برواية أخرى.
[١٢] الذيال: طويل الذيل. و العسيب: عظم الذنب، و قيل منبت الشعر منه. و المفرج: ما بان مرفقه عن إبطه، قال الشاعر:
متوسدين زمام كل نجيبة
و مفرّج عرق المقذ متوق
[١٣] الهبير: رمل زرود في طريق مكة.
[١٤] القتير: المشيب. و أصل القتير رءوس مسامير حلق الدروع تلوح فيها، شبه بها الشيب إذا نقب في سواد الشعر. و نبذ القتير: الشيء