الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٩٩ - هروبه إلى اليمن خوفا من نافع بن علقمة و موته بها
فيحسن، و نحن نحبّ أن نسمعه، و لكنّا نهابك؛ قال: فما عليّ منكم! أنا محموم نائم،/ فاصنعوا ما بدا لكم، فاندفع إبراهيم بن [أبي] [١] الهيثم فغنّى:
يا أمّ بكر حبّك البادي
لا تصرميني إنّني غادي
جدّ الرحيل و حثّني صحبي
و أريد إمتاعا من الزاد
فأجاده و أحسنه. قال: فوثب الناسك فجعل يرقص و يصيح: أريد إمتاعا من الزاد، و اللّه أريد إمتاعا من الزاد، ثم كشف عن أيره و قال: أنا أنيك أمّ الحمّى! قال: يقول لي ابن الماشطة: أعتقت ما أملك إن كان ناك أمّ الحمّى أحد قبله.
أخبرني به الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن أيّوب فذكر [٢] الخبر و لم يذكر فيه كشف الناسك عن سوأته و ما قاله بعد ذلك.
هروبه إلى اليمن خوفا من نافع بن علقمة و موته بها
و كانت وفاة الغريض في أيام سليمان بن عبد الملك أو عمر بن عبد العزيز لم يتجاوزها. و الأشبه أنّه مات في خلافة سليمان، لأن الوليد كان ولّى نافع بن علقمة مكة فهرب منه الغريض و أقام باليمن و استوطنها مدّة ثم مات بها. و أخبرني بخبره الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن المسيّبي قال أخبرني بعض المخزوميين أيضا بخبره.
و أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أبو غسّان: أن نافع بن علقمة لما ولّي مكّة خافه الغريض- و كان كثيرا ما يطلبه فلم يجئه [٣]- فهرب منه و استخفى في بعض منازل إخوانه. قال: فحدّثني رجل من أهل مكّة كان يخدمه: أنّه دفع إليه يوما ربعة [٤] له و قال له: صر بها إلى فلان العطّار يملؤها لي طيبا، قال: فصرت بها إليه، فلقيني نافع بن علقمة فقال: هذه ربعة الغريض و اللّه! فلم أقدر أن أكتمه، فقلت: نعم؛ قال: ما قصّته؟ فأخبرته الخبر؛ فضحك و قال: سر معي إلى المنزل ففعلت، فملأها طيبا و أعطاني دنانير، و قال: أعطه و قل له يظهر فلا بأس عليه؛ فسرت إليه مسرورا فأخبرته بذلك فجزع و قال: الآن ينبغي أن أهرب، إنما هذه حيلة احتالها عليّ لأقع في يده، ثم خرج من وقته إلى اليمن فكان آخر العهد به.
قال إسحاق فحدّثني هذا المخزوميّ: أنّ الغريض لمّا صار إلى اليمن و أقام [٥] به اجتزنا به بعض أسفارنا؛ قال: فلما رآني بكى؛ فقلت له: ما يبكيك؟ قال: بأبي أنت و أمّي! و كيف يطيب لي أن أعيش بين قوم يرونني أحمل عودي فيقولون لي: يا هناه [٦]، أ تبيع آخرة [٧] الرّحل! فقلت له: فارجع إلى مكّة ففيها أهلك، فقال: يا بن أخي،
[١] الزيادة عن ح. و قد اتفقت الأصول على إيراده بهذه الزيادة في سند هذا الخبر.
[٢] كذا في ط. و في باقي الأصول: «يذكر».
[٣] في ط: «فلا يجيئه».
[٤] الربعة: جونة العطر.
[٥] في أ، م، ء: «و أقام بها».
[٦] الهن: كلمة يكنى بها عن اسم الإنسان. و قد تزاد في النداء الألف و الهاء فيقال: يا هناه أو يا هناه أقبل بالضم و الكسر، فالضم على أنها آخر الاسم و الكسر لالتقاء الساكنين. (انظر «اللسان» مادة «هنا»).
[٧] كذا في أغلب الأصول، و في ط: «مؤخرة» و آخرة الرحل و مؤخرته: ما يستند إليه الراكب، و هي خلاف قادمته.