الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٩٤ - نسبة هذه الأصوات التي ذكرت في هذا الخبر
فقمت و توضّأت و صلّيت و حلبت إبلي و أعانني عليها و هو أظهر الناس سرورا، ثمّ دعوته إلى الغداء فتغدّى، ثم قام إلى عيبته فافتتحها فإذا فيها سلاح و بردان مما كسته الملوك، فأعطاني أحدهما و قال: أما و اللّه لو كان معي شيء ما ذخرته عنك، و حدّثني حديثه و انتسب لي، فإذا هو [١] جميل بن معمر و المرأة بثينة، و قال لي: إني قد قلت أبياتا في منصرفي [٢] من عندها، فهل لك إن رأيتها أن تنشدها [٣]؟ قلت: نعم! فأنشدني:
و ما أنس م الأشياء لا أنس قولها
و قد قرّبت نضوي أ مصر تريد
الأبيات، ثم ودّعني و انصرف، فمكثت حتّى أخذت الإبل مراتعها [٤]، ثم عمدت إلى دهن كان معي فدهنت به رأسي، ثم ارتديت بالبرد و أتيت المرأة فقلت: السلام عليكم، إنّي جئت أمس طالبا و اليوم زائرا، أ فتأذنون؟
قالت: نعم، فسمعت جويرية تقول لها: يا بثينة، عليه و اللّه برد جميل؛ فجعلت أثني على ضيفي و أذكر فضله، و قلت: إنّه ذكرك فأحسن [٥] الذكر، فهل أنت بارزة لي حتّى أنظر إليك؟ قالت: نعم، فلبست ثيابها ثم برزت و دعت لي بطرف [٦] ثم قالت: يا أخا بني تميم، و اللّه ما ثوباك هذان بمشتبهين، و دعت بعيبتها فأخرجت لي ملحفة مرويّة [٧] مشبعة/ من العصفر، ثم قالت: أقسمت عليك لتقومنّ إلى كسر البيت و لتخلعنّ مدرعتك [٨] ثم لتأتزرنّ [٩] بهذه الملحفة فهي [١٠] أشبه ببردك؛ ففعلت ذلك و أخذت مدرعتي بيدي فجعلتها إلى جانبي،/ و أنشدتها [١١] الأبيات فدمعت عيناها، و تحدّثنا طويلا من النهار، ثم انصرفت إلى إبلي بملحفة بثينة و برد جميل و نظرة من بثينة. قال معبد: فجزيت الشيخ خيرا و انصرفت من عنده و أنا و اللّه أحسن الناس حالا بنظرة من الغريض و استماع لغنائه، و علم بحديث جميل و بثينة فيما غنّيت أنا به و فيما غنّى به الغريض على حقّ ذلك و صدقه، فما رأيت و لا سمعت بزوجين قطّ أحسن من جميل و بثينة، و من الغريض و منّي.
نسبة هذه الأصوات التي ذكرت في هذا الخبر
و هي كلها من قصيدة واحدة.
منها:
[١] كذا في أ، م، ح. و في باقي النسخ: «و إذا هو ... الخ» بالواو.
[٢] كذا في أغلب الأصول و في ء، هامش ط: «أبياتا في إتيانها بعد منصرفي» و كتب بجانبها كلمة «صح».
[٣] في أ، م، ح، ط: «فهل لك أن تأتيها فتنشدها».
[٤] كذا في أغلب النسخ. و في أ، م: «مراعيها».
[٥] في أ، م، ح: «بأحسن الذكر».
[٦] كذا في أ، م، ح، ط. و في باقي الأصول: «بمطرف».
[٧] الملحفة (بالكسر): اللباس الذي فوق اللباس من دثار البرد و نحوه، و مروية: نسبة إلى «مرو»: بلدة بفارس. و النسبة إليها «مروى» (بالفتح و بالتحريك) و «مروزي» بزيادة الزاي. و في ط: «ملحفة هروية». و هذه نسبة إلى هراة: مدينة من أعظم مدن خراسان حضارة و كثرة سكان.
[٨] المدرعة: ضرب من الثياب، و لا تكون إلا من الصوف.
[٩] في ط: «لتتزرن» انظر الحاشية رقم ٣ ص ٣٩٠ من هذا الجزء.
[١٠] كذا في أ، م، ح. و في بقية الأصول: «و هي».
[١١] في أ، م، ح: «ثم أنشدتها».