الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٩١ - صوت للغريض و لم تذكر طريقته
حسنه، فلما قدمت مكّة سألت عنه فدللت على منزله، فأتيته فقرعت الباب فما كلّمني أحد، فسألت بعض الجيران فقلت: هل في الدار أحد؟ قالوا [١] لي: نعم، فيها الغريض، فقلت: إنّي قد أكثرت دقّ الباب، فما أجابني أحد! قالوا: إن الغريض هناك، فرجعت فدققت الباب فلم يجبني أحد، فقلت: إن نفعني غنائي يوما نفعني اليوم، فاندفعت فغنّيت لحني في شعر جميل:
علقت الهوى منها وليدا فلم يزل
إلى اليوم ينمي و يزيد
فو اللّه ما سمعت حركة الباب، فقلت: بطل سحري [٢] و ضاع سفري و جئت أطلب ما هو عسير عليّ، و احتقرت نفسي و قلت: لم يتوهّمني [٣] لضعف غنائي عنده، فما شعرت إلا بصائح يصيح: يا معبد المغنّي، افهم و تلق عني شعر جميل الذي تغنّي فيه يا شقيّ البخت، و غنّى:
صوت للغريض و لم تذكر طريقته
و ما أنس من الأشياء لا أنس قولها
و قد قرّبت نضوي [٤] أ مصر تريد
و لا قولها لو لا العيون التي ترى
أتيتك فاعذرني فدتك جدود
خليليّ ما أخفي من الوجد باطن [٥]
و دمعي بما قلت الغداة شهيد
/ يقولون جاهد يا جميل بغزوة
و أيّ جهاد غير هن أريد
لكلّ حديث عندهنّ [٦] بشاشة
و كلّ قتيل بينهنّ شهيد
عروضه من الطويل. قال: فلقد سمعت شيئا لم أسمع أحسن منه، و قصّر [٧] إليّ نفسي و علمت فضيلته عليّ بما أحسّ من نفسه، و قلت: إنه لحريّ بالاستتار من الناس تنزيها لنفسه و تعظيما لقدره، و إنّ مثله لا يستحقّ الابتذال، و لا أن تتداوله الرجال، فأردت الانصراف إلى المدينة راجعا، فلما كنت غير بعيد إذا بصائح يصيح بي: يا معبد، انتظر [٨] أكلّمك، فرجعت، فقال لي: إن الغريض يدعوك؛ فأسرعت فرحا فدنوت من الباب؛ فقال لي: أ تحبّ الدخول؟ فقلت: و هل إلى ذلك من سبيل؟ فقرع الباب ففتح، فقال لي: ادخل و لا تطل الجلوس؛ فدخلت فإذا شمس طالعة في بيت، فسلّمت فردّ السلام، ثم قال: اجلس فجلست، فإذا أنبل الناس و أحسنهم وجها و خلقا و خلقا، فقال: يا معبد، كيف طرأت [٩] إلى مكّة؟ فقلت: جعلت فداءك! و كيف عرفتني؟ فقال: بصوتك؛
[١] كذا في أ، م. و في سائر النسخ: «فقال».
[٢] بطل سحري: ضاعت حيلتي و خاب مكري.
[٣] أي لم يتبيني و لم يعرفني.
[٤] النضو: المهزول من الإبل و غيرها.
[٥] رواية «الأمالي» (ج ٢ ص ٢٩٩ طبعة دار الكتب) «ظاهر».
[٦] في أ، م، ء: «بينهن».
[٧] أي صغرها في عيني.
[٨] كذا في ح. و في سائر النسخ: «انظر» و هي بمعناها.
[٩] أي كيف أقبلت فجأة إلى مكة.