الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٨٣ - قيل إنه كان يتلقى غناءه عن الجن
رجع الحديث إلى أخبار الغريض
قيل إنه كان يتلقى غناءه عن الجن
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن أيّوب بن عباية عن مولى لآل الغريض قال:
حدّثني بعض مولياتي و قد ذكرن الغريض فترحّمن عليه و قلن: جاءنا يوما يحدّثنا بحديث أنكرناه عليه ثم عرفنا بعد ذلك حقيقته، و كان من أحسن الناس وجها/ صغيرا و كبيرا، و كنّا نلقى من الناس عنتا بسببه، و كان ابن سريج في جوارنا فدفعناه إليه فلقن الغناء، و كان من أحسن الناس صوتا ففتن أهل مكة بحسن وجهه مع حسن صوته، فلمّا رأى ذلك ابن سريج نحّاه عنه، و كانت بعض مولياته تعلّمه النّياحة فبرّز فيها، فجاءني يوما فقال: نهتني الجنّ أن أنوح و أسمعتني صوتا عجيبا فقد ابتنيت عليه لحنا فاسمعيه منّي، و اندفع فغنّى بصوت عجيب في شعر المرّار الأسدي [١].
حلفت لها باللّه ما بين ذي الغضا
و هضب القنان [٢] من عيان و لا بكر [٣]
أحبّ إلينا منك دلّا و ما نرى
به عند ليلى من ثواب و لا أجر
فكذّبناه و قلنا: شيء فكّر فيه و أخرجه على هذا اللحن [٤]، فكان في كل يوم يأتينا فيقول: سمعت البارحة صوتا من الجنّ بترجيع و تقطيع قد بنيت عليه صوت كذا و كذا بشعر فلان، فلم يزل على ذلك و نحن ننكر عليه؛ فإنّا لكذلك ليلة و قد اجتمع/ جماعة من نساء مكة في جمع لنا سهرنا [٥] فيه ليلتنا و الغريض يغنّينا بشعر عمر بن أبي ربيعة:
أ من آل زينب جدّ البكور
نعم فلأيّ هواها تصير
إذ سمعنا في بعض الليل عزيفا عجيبا و أصواتا مختلفة ذعرتنا و أفزعتنا، فقال لنا الغريض: إن في هذه الأصوات صوتا إذا نمت سمعته، و أصبح فأبني عليه غنائي، فأصغينا إليه فإذا نغمته نغمة الغريض بعينها فصدّقناه تلك الليلة.
[١] هو المرار بن سعيد بن حبيب بن خالد بن فضلة بن الأشتر بن جحوان (بتقديم الجيم المفتوحة على الحاء المهملة الساكنة) بن فقعس بن طريف بن عمرو بن معين بن الحارث بن تغلب بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن نضر بن نزار. و المرار (بفتح الميم و تشديد الراء المهملة) ينسب تارة إلى فقعس و هو أحد آبائه الأقربين و تارة إلى أسد بن خزيمة بن مدركة و هو جدّه الأعلى، و له ترجمة في الجزء التاسع من «الأغاني» طبع بولاق ص ١٥٨ و في «خزانة الأدب» للبغداديّ ج ٢ ص ١٩٦؛ و المرارون (كما في «القاموس» و «شرحه» مادة مرر سنة): المرار الكلبي، و المرار بن سعيد الفقعسي (و هو هذا) و المرار بن منقذ التميمي، و المرار بن سلامة العجلي، و المرار بن بشير الشيباني، و المرار بن معاذ الحرشي و كلهم شعراء. ثم ذكر أسماء أخرى لمرارين آخرين كلهم شعراء.
[٢] كذا في ح، ء. و القنان: جبل لبني أسد فيه ماء يدعى العسيلة. و في باقي النسخ: «القيان» بالياء. و لم نجد هذا الاسم في أسماء المواضع.
[٣] كذا في ح هاهنا، و هكذا أيضا وردت في أ، م فيما سيأتي عند إعادتها لبيان نسبة ما فيها من الغناء. و في باقي الأصول: «و من بكر».
[٤] في ح: «الحسن». و في أ، م: «الجنس».
[٥] في هامش ط و في «نهاية الأرب» (ج ٣ ص ٢٨٦): «سمرنا».