الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٦٨ - ضافه ابن سريج متنكرا فأكرمه ثم بالغ في إكرامه لما عرفه
عمره و نسبه
و قال وكيع في خبره عن إسحاق حدّثني أبو بشر الفزاريّ قال حدّثني بشر بن الحسين بن سليمان بن سمرة بن جندب قال:
عاش حنين بن بلوع مائة سنة و سبع سنين، و كان يقال أنه من جديس؛ قال و قيل أيضا: إنه من لخم، و كان هو يزعم أنه عباديّ و أخواله من بني الحارث بن كعب.
غنى حفيده لأبي اسحاق إبراهيم بن المهديّ و قص عليه خبر جده مع ابن سريج
أخبرني رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ قال حدّثنا يوسف بن إبراهيم قال حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن المهديّ قال:
كنت مع الرشيد في السنة التي نزل فيها على عون العباديّ، فأتاني عون بابن ابن حنين بن بلوع، و هو شيخ،/ فغنّاني عدّة أصوات لجدّه، فما استحسنتها، لأنّ الشيخ كان مشوّه [١] الخلق، طنّ الغناء [٢]، قليل الحلاوة، إلا أنه كان لا يفارق عمود الصوت أبدا حتى يفرغ منه، فغنّاني صوت ابن سريج:
فتركته جزر [٣] السّباع ينشنه [٤]
ما بين قلّة رأسه و المعصم
فما أذكر أني سمعته من أحد قطّ أحسن مما سمعته منه، فقلت له: لقد أحسنت في هذا الصوت، و ما هو من أغاني جدّك، و إني لأعجب من ذلك! فقال لي الشيخ: و الصليب و القربان ما صنع هذا الصوت إلا في منزلنا و في سرداب لجدّي، و لقد كاد أن يأتي على نفس عمتي؛ فسألته عن الخبر في ذلك فقال:
ضافه ابن سريج متنكرا فأكرمه ثم بالغ في إكرامه لما عرفه
حدّثني أبي أن عبيد [٥] بن سريج قدم الحيرة و معه ثلاثمائة دينار. فأتى بها منزلنا في ولاية بشر بن مروان الكوفة، و قال: أنا رجل من أهل الحجاز من أهل مكة، بلغني طيب الحيرة و جودة خمرها و حسن غنائك في هذا الشعر:
حنتني حانيات الدهر حتّى
كأنّي خاتل يدنو [٦] لصيد
قريب الخطو يحسب من رآني
و لست مقيّدا أنّي بقيد
/ فخرجت بهذه الدنانير لأنفقها معك و عندك و نتعاشر حتى تنفد و أنصرف إلى منزلي. فسأله جدّي عن اسمه
[١] في أ، م، ء، ط: «مشنيّ الخلق». و في ح: «مشتّو الخلق». و مشتّو الخلق: مكروهه. و قد ورد في هذا الوصف: مشنوء (بالهمز) و مشنوء و مشنىّ.
[٢] طن الغناء: يدل السياق على أنه وصف من الطنين و هو صوت الشيء الصلب كالنحاس و غيره. و لم نجد هذه الصيغة من هذه المادة في «كتب اللغة» التي بأيدينا و لعله طان الغناء اسم فاعل من طنّ. و فيء، أ، م، ط: «كزّ الغناء».
[٣] جزر السباع: اللحم الذي تأكله، يقال: تركوهم جزرا بالتحريك إذا قتلوهم و قطعوهم إربا إربا و جعلوهم معرّضين للسباع و الطير.
[٤] ينشته: يتناوله.
[٥] كذا في ط. و في سائر النسخ: «عبيد اللّه» انظر الحاشية رقم ٣ ص ٢٤٨ من الجزء الأوّل طبعة دار الكتب.
[٦] في ط: «أدنو».