الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٢٤ - فضلت أم جحدر ابن ميادة على الحكم و عملس فهجواها
و قال لعلّفة:
يا ابن عقيل لا تكن كذوبا
أ أن شربت الحزر [١] و الحليبا
من شول [٢] زيد و شممت الطّيبا
جهلا تجنّيت لي الذنوبا
قال: ثم لم يلبثه ابن ميّادة أن غلبه، و هاج التهاجي بينه و بين حكم الخضريّ، و انقطع عنه علّفة مفضوحا.
قال: و ماتت أمّ جحدر التي كان ينسب [٣] بها ابن ميّادة على تفيئة [٤] ما كان بينه و بين علّفة من المهاجاة، و نعيت له فلم يصدّق حتّى أتاه رجل من بني رحل يقال له عمّار فنعاها له؛ فقال:
ما كنت أحسب أنّ القوم قد صدقوا
حتّى نعاها لي الرّحليّ عمّار
و قال يرثيها:
خلت شعب الممدور لست بواجد
به غير بال من عضاه [٥] و حرمل
تمنّيت أن تلقي به أمّ جحدر
و ما ذا تمنّى من صدى تحت جندل
فللموت خير من حياة ذميمة
و للبخل خير من عناء مطوّل
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد اللّه بن إبراهيم عن ساعدة ابن مرمئ [٦]، و ذكره إسحاق أيضا عن أصحابه:
/ أن ابن ميّادة و حكما الخضريّ تواعدا المدينة ليتواقفا [٧] بها، و جاء نفر من قريش- أمهاتهم من مرّة- إلى ابن ميّادة فمنعوه من مواقفة حكم، و قالوا: أ تتعرض له و لست بكفئه فيشتم أمهاتنا و أخوالنا و خالاتنا و هو رجل خبيث اللسان!- قال: و كان حكم يسجع سجعا كثيرا- فقال: و اللّه لئن واقفته لأسجعنّ به قبل المقارضة سجعا أفضحه به فلم يلقه. و ذكر الزّبير له سجعا طويلا غثّا لا فائدة فيه، لأنه ليس برجز منظوم و لا كلام فصيح و لا مسجّع سجعا مؤتلفا كائتلاف القوافي، إلا أن من أسلمه قوله: و اللّه لئن ساجعتني سجاعا، لتجدنّي شجاعا، للجار منّاعا، و لأجدنّك هيّاعا [٨]، للحسب مضياعا، و لئن باطشتك بطاشا، لأدهشنّك إدهاشا، و لأدقّنّ منك مشاشا [٩]، حتى يجيء بولك/ رشاشا. و هذا من غثّ السّجع و رذله، و إنما ذكرته ليستدلّ به على ما هو دونه مما ألغيت ذكره. قال:
و رجز به فقال:
يا معدن اللؤم و أنت جبله
و آخر اللؤم و أنت أوّله
[١] كذا فيء، ح. و الحزر من اللبن: ما كان فوق الحامض. و في ب، س: «الجزر» بالجيم و هو تصحيف.
[٢] الشول: النوق التي خفّ لبنها و ارتفع ضرعها و أتى عليها سبعة أشهر أو ثمانية من يوم نتاجها، فلم يبق في ضروعها إلا شول من اللبن أي بقية منه مقدار ثلث ما كانت تحلب حدثان نتاجها. واحدتها شائلة و هو جمع على غير قياس.
[٣] كذا في ط. و في سائر النسخ: «يتشبب».
[٤] على تفيئة: على حين، يقال: أتيته على تفيئة ذلك أي على حينه و زمانه.
[٥] العضاه و الحرمل: نوعان من الشجر.
[٦] كذا في أغلب النسخ. و في م، أ هكذا: «مر ابن» و لم نهتد إليه. و لم تذكر هذه الكلمة في ط.
[٧] التواقف كالمواقفة: أن يقف معك و تقف معه في حرب أو خصومة.
[٨] هو صيغة مبالغة من هاع يهيع هيعا و هيوعا إذا جبن و فزع: و قد ورد في «كتب» اللغة من هذه المادة هائع و هاع.
[٩] المشاش: رءوس العظام مثل الركبتين و المرفقين و المنكبين.