الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٨٢ - نسبة هذا الغناء
قفر تلوح بذي اللّجين [١] كأنها
أنضاء [٢] وشم [٣] أو سطور كثاب
لمّا وقفت بها القلوص تبادرت
منّي الدموع لفرقة الأحباب
و ذكرت عصرا يا بثينة شاقني
إذ فاتني و ذكرت شرخ شبابي [٤]
الشعر لجميل. و الغناء للهذلي ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.
أخبرني عمّي قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني أحمد بن يحيى المكيّ عن أبيه قال حدّثني عمرو [٥] بن أبي الكنّات الحكميّ قال حدثني يونس الكاتب قال:
/ كنّا يوما متنزّهين بالعقيق أنا و جماعة من قريش، فبينا نحن على حالنا إذ أقبل ابن عائشة يمشي و معه غلام من بني ليث و هو متوكّئ على يده، فلما رأى جماعتنا و سمعني أغنّي جاءنا فسلّم و جلس إلينا و تحدّث معنا، و كانت الجماعة تعرف سوء خلقه و غضبه إذا سئل أن يغنّي، فأقبل بعضهم على بعض يتحدّثون بأحاديث كثيّر و جميل و غيرهما من الشعراء، يستجرّون بذلك أن يطرب فيغنّي، فلم يجدوا عنده ما أرادوا، فقلت لهم أنا: لقد حدّثني اليوم بعض الأعراب حديثا يأكل الأحاديث، فإن شئتم حدّثتكم إياه؛ قالوا: هات؛ قلت: حدّثني هذا الرجل أنه مرّ بناحية الرّبذة [٦] فإذا صبيان يتغاطسون [٧] في غدير، و إذا شابّ جميل منهوك الجسم عليه أثر العلّة، و النحول في جسمه بيّن، و هو جالس ينظر إليهم، فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام و قال: من أين وضح [٨] الراكب؟ قلت: من الحمى؛ قال: و متى عهدك به؟ قلت: رائحا؛ قال: و أين كان مبيتك؟ قلت: ببني فلان؛ فقال: أوّه! و ألقى بنفسه على ظهره و تنفّس الصّعداء تنفّسا قلت إنه قد خرّق حجاب قلبه؛ ثم أنشأ يقول:
صوت
سقى بلدا أمست سليمى تحلّه
من المزن ما يروى به و يسيم [٩]
[١] لم نقف في «معجم ياقوت» و لا «معجم ما استعجم» للبكريّ و لا في «لسان العرب» و لا «تاج العروس» على أن اللجين أو ذا اللجين اسم موضع.
[٢] الأنضاء: جمع نضو و أصله البعير المهزول أو المهزول من جميع الدواب و يطلق على ما بقي من الرسم لقلته و أخذه في الذهاب، كما أطلق على ما بقي من النبات في قول الشاعر:
ترعى أناص من حريز الحمض
فأناض هنا جمع انضاء الذي هو جمع نضو.
[٣] كذا في نسخة نص عليها بهامش نسخة أ. و في جميع النسخ: «رسم» و قد رجحنا الرواية الأولى لما هو مألوف عند العرب من هذه التشبيهات، و منها قول طرفة:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
[٤] شرخ الشباب: أوّله و نضارته و قوّته.
[٥] كذا في ح و «نهاية الأرب» للنويري ج ٤ ص ٣٢٦ و فيما جاء في ترجمته من كتاب «الأغاني» ج ١٨ ص ١٢٦ طبع بولاق. و في سائر الأصول هنا: «عمر» بدون واو.
[٦] الربذة: قرية على ثلاثة أميال من المدينة و بها قبر أبي ذرّ الغفاريّ رضي اللّه عنه.
[٧] في ح: «يتغامسون» و لم نجد هذه الصيغة في «كتب اللغة» و الموجود منه المغامسة و هي المفاعلة من غمسه في الماء إذا غطه، و قد فسر صاحب «اللسان» قوله و هما يتغاطسان في الماء فقال أي يتقامسان فيه.
[٨] أي من أين بدا و طلع.
[٩] يقال: سامت الإبل إذا رعت و أسامها صاحبها، أي أرعاها، و لعله يريد بقوله: «و يسم» أن يكون صالحا للإسامة بما يكون فيه من