الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣٩ - أنشد إسحاق من شعره و قال أنه أشعر الشعراء بعد زهير
فقال له عتيبة: إنّ هذا من مقدّمات أفاعيك؛ ثم قال لوكيله: اذهب معه إلى السّوق فلا يطلب شيئا إلا اشتريته له؛ فجعل يعرض عليه الخزّ و رقيق الثياب فلا يريدها و يومئ إلى الكرابيس [١] و الأكسية الغلاظ فيشتريها له حتى قضى أربه ثم مضى؛ فلما جلس عتيبة في نادي قومه أقبل الحطيئة، فلما رآه عتيبة قال: هذا مقام العائذ بك يا أبا مليكة من خيرك و شرّك؛ قال: كنت قلت بيتين فاستمعهما ثم أنشأ يقول:
سئلت فلم تبخل و لم تعط طائلا
فسيّان لا ذمّ عليك و لا حمد
و أنت امرؤ لا الجود منك سجيّة
فتعطى و لا [٢] يعدي على النائل الوجد [٣]
ثم ركض فرسه فذهب.
ليس في شعره مطعن
أخبرني الحسين بن يحيى و محمد بن مزيد البوشنجي [٤] قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق قال حدّثني محمد بن عمرو الجرجرائيّ [٥] عن أبي صفوان الأحوزيّ [٦] قال:
ما من أحد إلا لو أشاء أن أجد في شعره مطعنا لوجدته إلا الحطيئة.
أنشد إسحاق من شعره و قال أنه أشعر الشعراء بعد زهير
و فتيان صدق من عديّ عليهم
صفائح بصرى علّقت بالعواتق
إذا ما دعوا لم يسألوا من دعاهم
و لم يمسكوا فوق القلوب الخوافق
و طاروا إلى الجرد العتاق فألجموا
و شدّوا على أوساطهم بالمناطق
أولئك آباء الغريب و غاثة الصّ
ريخ و مأوى المرملين الدّرادق [٧]
أحلّوا حياض الموت [٨] فوق جباههم
مكان النّواصي من وجوه السّوابق
و يروى:
- عرضه أي لم يشتمه كأنه أبقاه له كثيرا طيبا لم ينقصه بشتم
[١] الكرابيس: جمع كرباس و هو ثوب من القطن الأبيض، فارسيّ معرّب.
[٢] في م، أ، ء و «خزانة البغدادي» (ج ١ ص ٤١١) و «الديوان» و «لسان العرب» مادة «عدا»: «و قد يعدي». و يعدي: بعين.
[٣] الوجد مثلث الواو: اليسار و السعة.
[٤] نسبة إلى بوشنج: بليدة نزهة خصيبة في واد مشجر من نواحي هراة بينهما عشرة فراسخ.
[٥] نسبة إلى جرجرايا: بلدة من أعمال النهروان الأسفل بين واسط و بغداد، و النسبة اليها جرجرائي كما في «تهذيب التهذيب» و «الخلاصة في أسماء الرجال» في الكلام على محمد بن الصباح الجرجرائي.
[٦] كذا في ب، س. و في أ، م: «الأجوزيّ». و في ء: «الأحوذيّ» و لم نهتد لتصحيح هذا الاسم.
[٧] الدرادق: الصبيان الصغار، واحده دردق.
[٨] كذا فيء، أ، م. و في باقي النسخ: «حياض المجد» و إضافة الحياض إلى الموت معروفة، و يكنى بها عن المنية كما في شعر كعب بن زهير:
لا يقع الطعن إلا في نحورهم
و ما لهم عن حياض الموت تهليل
و قد قال المحبّي في كتابه «ما يعول عليه في المضاف و المضاف إليه»: و قد شاع ذلك حتى صار كالحقيقة فيقال هو في الحياض كما يقال في النزع و الغرغرة.