الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩٩ - سعي عدي بن زيد في ولاية النعمان بن المنذر و سبب الخلاف بينه و بين عدي بن مرينا
للمنذر ابن آخر يقال له «الأسود» أمّه مارية بنت الحارث بن جلهم من تيم الرّباب،/ فأرضعه و ربّاه قوم من أهل الحيرة يقال لهم بنو مرينا [١] ينتسبون إلى لخم و كانوا أشرافا. و كان للمنذر سوى هذين من الولد عشرة، و كان ولده يقال لهم «الأشاهب» [٢] من جمالهم، فذلك قول أعشى بن قيس بن ثعلبة:
و بنو المنذر الأشاهب في الحي
رة يمشون غدوة كالسيوف
سعي عديّ بن زيد في ولاية النعمان بن المنذر و سبب الخلاف بينه و بين عديّ بن مرينا
و كان النعمان من بينهم أحمر أبرش [٣] قصيرا، و أمّه سلمى بنت وائل بن عطيّة الصائغ من أهل فدك [٤]، فلما احتضر المنذر و خلّف أولاده العشرة، و قيل: بل كانوا ثلاثة عشر، أوصى بهم إلى إياس بن قبيصة الطّائيّ، و ملّكه على الحيرة إلى أن يرى كسرى رأيه، فمكث عليها أشهرا و كسرى في طلب رجل يملّكه عليهم، و هو كسرى بن هرمز، فلم يجد أحدا يرضاه فضجر فقال: لأبعثنّ إلى الحيرة اثني عشر ألفا من الأساورة، و لأملّكنّ عليهم رجلا من الفرس، و لآمرنّهم أن ينزلوا على العرب في دورهم و يملكوا عليهم أموالهم و نساءهم، و كان عديّ بن زيد واقفا بين يديه، فأقبل عليه و قال: ويحك يا عديّ: من بقي من آل المنذر؟ و هل فيهم أحد فيه خير؟ فقال: نعم أيها الملك السعيد، إنّ في ولد المنذر لبقية و فيهم كلّهم خير، فقال: ابعث إليهم فأحضرهم، فبعث عديّ إليهم فأحضرهم و أنزلهم جميعا عنده، و يقال: بل شخص/ عديّ بن زيد إلى الحيرة حتى خاطبهم بما أراد [٥] و أوصاهم، ثم قدم بهم على كسرى. قال: فلما نزلوا على عديّ بن زيد أرسل إلى النّعمان: لست أملّك غيرك فلا يوحشنّك ما أفضّل به إخوتك عليك من الكرامة فإني إنما أغترّهم بذلك، ثم كان يفضّل إخوته جميعا عليه في النّزل و الإكرام و الملازمة و يريهم تنقّصا للنّعمان و أنه غير طامع/ في تمام أمر على يده، و جعل يخلو بهم رجلا رجلا فيقول: إذا أدخلتكم على الملك فالبسوا أفخر ثيابكم و أجملها، و إذا دعا لكم بالطعام لتأكلوا فتباطئوا في الأكل و صغّروا اللّقم و نزّروا ما تأكلون، فإذا قال لكم: أ تكفونني العرب؟ فقولوا: نعم، فإذا قال لكم: فإن شذّ أحدكم عن الطاعة و أفسد، أ تكفوننيه؟ فقولوا: لا، إنّ بعضنا لا يقدر على بعض، ليهابكم و لا يطمع في تفرّقكم و يعلم أن للعرب منعة و بأسا فقبلوا منه، و خلا بالنعمان فقال له: البس ثياب السفر و ادخل متقلّدا بسيفك، و إذا جلست للأكل فعظّم اللّقم و أسرع المضغ و البلع و زد في الأكل و تجوّع قبل ذلك، فإن كسرى يعجبه كثرة الأكل من العرب خاصّة، و يرى أنه لا خير في العربيّ إذا لم يكن أكولا شرها، و لا سيّما إذا رأى غير طعامه و ما لا عهد له بمثله، و إذا سألك هل تكفيني العرب؟
فقل: نعم، فإذا قال لك: فمن لي بإخوتك؟ فقل له: إن عجزت عنهم فإني عن غيرهم لأعجز. قال: و خلا ابن مرينا بالأسود فسأله عما أوصاه به عديّ فأخبره، فقال: غشّك و الصليب و المعموديّة و ما نصحك، لئن أطعتني
[١] بنو مرينا: قوم من أهل الحيرة من قبائل العباد، و هم الذين ذكرهم امرؤ القيس في قوله:
فلو في يوم معركة أصيبوا
و لكن في ديار بني مرينا
و ليس مرينا بكلمة عربية. (انظر «تاج العروس» و «اللسان» مادة مرن).
[٢] الشهبة في الأصل: بياض يخالطه سواد و قيل البياض الذي يغلب على السواد، و قد يقال على مطلق البياض كما قالوا سنة شهباء أي بيضاء لكثرة الثلج و عدم النبات. و في «القاموس» «و الأشاهب بنو المنذر لجمالهم» قال شارحه السيد مرتضى: سموا بذلك لبياض وجوههم.
[٣] الأبرش: الأرقط الأنمر و هو الذي يكون فيه بقعة بيضاء و أخرى أيّ لون كان.
[٤] فدك: قرية بالحجاز بينها و بين المدينة يومان.
[٥] في ب، س: «أرادوا» و الصواب ما أثبتناه.