الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩٠ - التقاؤه بقيس بن ذريح و طلبه منه إبلاغ سلامه لليلى
القشيريّين [١] عن أبيه قال:
مررت بالمجنون و هو مشرف على واد في أيام الربيع، و ذاك قبل أن يختلط، و هو يتغنّى بشعر لم أفهمه، فصحت به: يا قيس، أ ما تشغلك ليلى عن الغناء و الطرب! فتنفّس تنفّسا ظننت أنّ حيازيمه [٢] قد انقدّت، ثم قال:
صوت
و ما أشرف الأيفاع [٣] إلا صبابة
و لا أنشد الأشعار إلا تداويا
و قد يجمع اللّه الشتيتين بعد ما
يظنّان جهد [٤] الظنّ أن لا تلاقيا
لحي [٥] اللّه أقواما يقولون إنّني
وجدت [٦] طوال الدّهر للحبّ شافيا
التقاؤه بقيس بن ذريح و طلبه منه إبلاغ سلامه لليلى
/ أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: اجتاز قيس بن ذريح بالمجنون و هو جالس وحده في نادي قومه، و كان/ كلّ واحد منهما مشتاقا إلى لقاء الآخر، و كان المجنون قبل توحّشه لا يجلس إلا منفردا و لا يحدّث أحدا و لا يردّ على متكلّم جوابا و لا على مسلّم سلاما، فسلّم عليه قيس بن ذريح فلم يردّ عليه السّلام؛ فقال له: يا أخي أنا قيس بن ذريح فوثب إليه فعانقه و قال: مرحبا بك يا أخي، أنا و اللّه مذهوب [بي] [٧] مشترك اللّب فلا تلمني، فتحدّثا ساعة و تشاكيا و بكيا، ثم قال له المجنون: يا أخي، إنّ حيّ ليلى منا قريب، فهل لك أن تمضي إليها فتبلّغها عني السلام؟ فقال له: أفعل. فمضى قيس بن ذريح حتى أتى ليلى فسلّم و انتسب؛ فقالت له: حيّاك اللّه، أ لك حاجة؟ قال: نعم، ابن عمّك أرسلني إليك بالسلام؛ فأطرقت ثم قالت:
ما كنت أهلا للتحيّة لو علمت أنك رسوله، قل له عنّي: أ رأيت قولك:
أبت ليلة بالغيل [٨] يا أمّ مالك
لكم غير حب صادق ليس يكذب
ألا إنما أبقيت يا أمّ مالك
صدى [٩] أينما تذهب به الريح يذهب [١٠]
أخبرني عن ليلة الغيل، أيّ ليلة هي؟ و هل خلوت معك في الغيل أو غيره ليلا أو نهارا؟ فقال لها قيس: يا ابنة عمّ، إن الناس تأوّلوا كلامه على غير ما أراد، فلا تكوني مثلهم، إنما أخبر أنه رآك ليلة الغيل فذهبت بقلبه، لا أنه عناك بسوء؛ قال: فأطرقت طويلا و دموعها تجري و هي تكفكفها، ثم انتحبت حتى قلت تقطّعت حيازيمها، ثم قال: اقرأ
[١] في ت: «القرشيين».
[٢] الحيازيم: ضلوع الفؤاد. و في ت: «قد انصدعت».
[٣] الأيفاع: جمع يفع و اليفع كاليفاع: ما أشرف و علا من الرمل.
[٤] كذا في أغلب النسخ. و الجهد: الغاية. و في ت و «تزيين الأسواق» و «الديوان»: «كلّ الظنّ».
[٥] يقال لحاه اللّه: قبحه و لعنه و أبعده.
[٦] كذا في أغلب النسخ. و في ت و «تزيين الأسواق» و «الديوان» «إننا وجدنا».
[٧] زيادة في ت.
[٨] الغيل بالفتح ثم السكون: اسم واد لبني جعدة.
[٩] انظر الكلام على معنى الصدى فيما تقدّم في ص ١٩ حاشية رقم ٩ من هذا الجزء.
[١٠] في هذين البيتين أقواء لاختلافها بحركة الرويّ ضما و كسرا و قد ورد هذا البيت الأخير في جملة أبيات مكسورة الرويّ في ص ١٩ من هذا الجزء.