الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤٢ - حجه مع أبيه إلى مكة لسلوان ليلى و دعوته هو استزادة حبها و دوامه
دعا باسم ليلى غيرها فكأنّما
أطار بليلى طائرا كان في صدري
دعا باسم ليلى ظلّل اللّه سعيه
و ليلى بأرض عنه نازحة قفر
الغناء لعريب خفيف ثقيل- ثم قال له أبوه: تعلّق بأستار الكعبة و اسأل اللّه أن يعافيك من حبّ ليلى، فتعلّق بأستار الكعبة و قال: اللهم زدني لليلى حبّا و بها كلفا و لا تنسني ذكرها أبدا، فهام [١] حينئذ و اختلط فلم يضبط.
قالوا: فكان يهيم في البرّيّة مع الوحش و لا يأكل إلا ما ينبت في البرّيّة من بقل و لا يشرب إلا مع الظباء إذا وردت مناهلها، و طال شعر جسده و رأسه و الفته الظباء و الوحوش فكانت لا تنفر منه، و جعل يهيم حتى يبلغ حدود الشأم، فإذا ثاب إليه عقله سأل من يمرّ به من أحياء العرب عن نجد، فيقال له: و أين [٢] أنت من نجد! قد شارفت الشأم! أنت في موضع كذا، فيقول: فأروني وجهة الطريق، فيرحمونه و يعرضون عليه أن يحملوه أن يكسوه فيأبى، فيدلّونه على طريق نجد فيتوجّه نحوه.
أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ و أخبرنا حبيب بن نصر المهلّبيّ و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال ذكر الهيثم بن عديّ عن أبي مسكين قال:
/ خرج منّا فتى حتى إذا كان ببئر ميمون [٣] إذا جماعة فوق بعض تلك الجبال، و إذا [٤] معهم فتى أبيض طوال [٥] جعد [٦] كأحسن من رأيت من الرجال على هزال منه و صفرة، و إذا هم متعلّقون به، فسألت عنه، فقيل لي: هذا قيس المجنون خرج به أبوه يستجير له بالبيت، و هو على أن يأتي به قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم ليدعو له هناك لعلّه يكشف ما به، فإنه يصنع بنفسه صنيعا يرحمه منه عدوّه، يقول: أخرجوني لعلّني أتنسّم صبا نجد، فيخرجونه فيتوجهون به نحو نجد، و نحن مع ذلك نخاف أن يلقي نفسه من الجبل، فإن شئت الأجر [٧] دنوت منه فأخبرته أنك أقبلت من نجد، فدنوت منه و أقبلوا عليه فقالوا له: يا أبا المهديّ، هذا الفتى أقبل من نجد، فتنفّس تنفّسة [٨] ظننت أن كبده قد انصدعت، ثم جعل يسألني [٩] عن واد واد و موضع موضع، و أنا أخبره و هو يبكي أحرّ بكاء و أوجعه للقلب، ثم أنشأ يقول:
ألا ليت شعري عن عوارضتي قنا [١٠]
لطول الليالي هل تغيّرتا بعدي
[١] كذا في أغلب النسخ. و في ت: «فهاج».
[٢] في ت: «أين أنت» بدون واو.
[٣] قال في ياقوت: و بئر ميمون بمكة، و قال البكريّ في «معجم ما استعجم» ص ٥٦٩: هي بئر بمكة بين البيت و الحجون بأبطح مكة، و هي منسوبة إلى ميمون بن الحضرميّ حفرها في الجاهلية، و عندها توفي أبو جعفر المنصور.
[٤] كذا في ت، ح. و في باقي النسخ: «فإذا» بالفاء.
[٥] الطوال بالضم: المفرط الطول.
[٦] كذا في ت، ح، و الجعد: أن يكون الرجل معصوب الجوارح شديد الأسر و الخلق غير مسترخ و لا مضطرب، و في باقي النسخ: «جعدة» بالتاء و لم نجده في «كتب اللغة» التي بأيدينا و صفا لمذكر.
[٧] زيادة في ب، س.
[٨] في ت، ح: «تنفسا خلت أنّ كبده الخ».
[٩] في ت، ح: «يسائلني».
[١٠] في ب، س: «قبا» بالباء و هو تحريف. انظر حاشية رقم ٣ ص ٣٥٣ من الجزء الأول من «الأغاني». و قنا و عوارضة: جبلان لبني فزارة.