نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٩٧
و تخصّصا بمرتبة من مراتبه المختلفة البسيطة ٣٦، التي يرجع ما به الامتياز فيها إلى ما به الاشتراك؛ و تخصّصا بالماهيّات المنبعثة عنه المحدّدة له. ٣٧
تخصّص الوجود كان عند المتكلّمين متوجّها إلى مفهوم الوجود العامّ. و ذلك لأنّهم لم يكونوا يرون حقيقة عينيّة للوجود، على ما هو المأثور عنهم. و لا يصحّ طرح نفس هذا السؤال بالنسبة إلى حقيقة الوجود العينيّة. و أمّا البحث عن تخصّص مفهوم الوجود، فليس ممّا يولّيه الفيلسوف القائل بأصالة الوجود كثير عناية.
و لذلك نرى أنّ طرح هذه المسألة حول حقيقة الوجود ينشأ من رسوبات القول بأصالة الماهيّة في الأذهان، فيتوهّم أنّ للوجود طبيعة كلّيّة، و يحصل تخصّصها بإضافتها إلى الماهيّات أو بسبب آخر.» انتهى.
و لقد أجاد- دام ظلّه- فيما أفاد. و يشهد له تعبيرهم. بالتخصّص المقابل للعموم، اللذين كلاهما من صفات المفهوم؛ فإنّ التخصّص هو الخروج عن العموم الأوّل، و لا يلازم التشخّص، كما لا يخفى، بينما الذي هو من صفات حقيقة الوجود، إنّما هو التشخّص.
ثمّ لا يخفى عليك أوّلا: أنّ التخصّص كما لا ينافي الكلّيّة- كما يشهد له القسم الثالث و هو التخصّص بالماهيّات- كذلك لا ينافي السعة و الانبساط، و يشهد له القسم الأوّل، و هو تخصّص حقيقة الوجود بنفس ذاتها. و ثانيا: أنّ التخصّص غير التميّز لأنّه وصف نفسيّ بخلاف التميّز.
٣٦- قوله قدّس سرّه: «و تخصّصا بمرتبة من مراتبه المختلفة البسيطة»
و لا فرق في ذلك بين أن توجد في تلك المرتبة كثرة و أن لا توجد. فإنّه على تقدير وجود الكثرة أيضا تتخصّص كلّ واحدة من تلك المتكثّرات بنفس تلك المرتبة التي هي عين وجودها.
قوله قدّس سرّه: «و تخصّصها بمرتبة من مراتبه»
أي: بكلّ مرتبة من مراتبه كما لا يخفى.
٣٧- قوله قدّس سرّه: «و تخصّصا بالماهيّات المنبعثة عنه المحدّدة له»
لعلّ المراد بالماهيّات الأعمّ من النوعيّة و الفرديّة، حتّى يشمل تخصّص الوجود بكونه إنسانا و فرسا و شجرا و حجرا، و تخصّصه بكونه زيدا و عمرا و بكرا و خالدا.
قوله قدّس سرّه: «و تخصّصا بالماهيّات المنبعثة عنه المحدّدة له»
لا يخفى عليك: أنّ في هذه الجملة نفسها دلالة على أنّ تحديد الماهيّات للوجود ليس إلّا تجوّزا و مسامحة. و ذلك لأنّ الماهيّات إذا كانت منبعثة عن الوجود لم يمكن أن تكون محدّدة