نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٣٨
ترجّح أحد الجانبين لها و تلبّسها به على أمر وراء الماهيّة، لم نلبث دون أن نصدّق به.
فاتّصاف الممكن بأحد الوصفين- أعني الوجود و العدم- متوقّف على أمر وراء نفسه- و نسمّيه العلّة- لا يرتاب فيه عقل سليم. و أمّا تجويز اتّصافه ٦- و هو ممكن مستوي النسبة إلى الطرفين- بأحدهما لا لنفسه و لا لأمر وراء نفسه، فخروج عن الفطرة الإنسانيّة.
و هل علّة حاجته إلى العلّة هو الإمكان، أو الحدوث؟ ٧ قال جمع من المتكلّمين بالثّاني.
و الحقّ هو الأوّل، و به قالت الحكماء.
و استدلّوا عليه بأنّ الماهيّة باعتبار وجودها ضروريّة الوجود، و باعتبار عدمها ضروريّة العدم ٨، و هاتان ضرورتان بشرط المحمول، و الضرورة مناط الغنا عن العلّة و السبب ٩؛ و الحدوث هو كون وجود الشيء بعد عدمه، و إن شئت فقل: هو ترتّب إحدى
القضيّة، من الموضوع و المحمول و النسبة، و أمّا مجرّد تصوّر ذات الموضوع و ذات المحمول، فلا يكفي في حصول التصديق.
٦- قوله قدّس سرّه: «و أمّا تجويز اتّصافه»
قد مرّ في بعض تعاليقنا على صدر الفصل السابق أنّ الأولى تثنية الشقوق، لا تثليثها كما ارتكبه المصنّف قدّس سرّه.
٧- قوله قدّس سرّه: «هل علّة حاجته إلى العلّة هو الإمكان، أو الحدوث؟»
أي: هو الإمكان وحده أو الحدوث مع الإمكان، كما سيتبيّن.
٨- قوله قدّس سرّه: «الماهيّة باعتبار وجودها ضروريّة الوجود، و باعتبار عدمها ضروريّة العدم»
و قد مرّ بيان ذلك في تنبيه الفصل السابق.
٩- قوله قدّس سرّه: «و الضرورة مناط الغنا عن العلّة و السبب»
فإن كانت ضرورة ذاتيّة، كانت مناط الغنى الذاتيّ. و إن كانت ضرورة غيريّة، فهي مناط الغنى الغيريّ، بمعنى ارتفاع الحاجة بسبب الغير، أي إنّ الموجود بما هو موجود لا يحتاج إلى موجوديّة اخرى تطرأ عليه، كما سيصرّح قدّس سرّه به عن قريب.
قوله قدّس سرّه: «و الضرورة مناط الغنا عن العلّة و السبب»
فإنّه إذا كان شيء ضروريّ الوجود، لم يحتج إلى علّة، لا لوجوده- لأنّه حاصل، و تحصيل الحاصل محال- و لا لعدمه، لأنّه ممتنع و لا يقبل أن يكون أثرا للعلّة؛ و إذا كان ضروريّ العدم فكذلك بالنسبة إلى عدمه و وجوده.