نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٧
أي: ألجأت الحاجة إلى ... كما في أقرب الموارد، و المعجم الوسيط، و لاروس.
قوله قدّس سرّه: «فمسّت الحاجة إلى ....»
و زاد شيخنا المحقّق- دام ظلّه- في التعليقة غايتين اخريين، هما:
١- حلّ مسائل لا يتكفّل لحلّها غير علم ما بعد الطبيعة.
٢- معرفة مسائل هي مبادىء تصديقيّة لعلوم اخرى، كبطلان الدور و التسلسل. هذا.
و يبدو أنّ الأولى أن يقال في وجه الحاجة إلى الفلسفة:
إنّ الأسئلة المطروحة حول الكون و الوجود بوجه مطلق- هذه الأسئلة التي يتبلور في الإجابة عنها مفهومنا العامّ عن العالم و وجهة نظرنا في الكون، مثل أنّه هل هناك شيء؟ و إذا كان، فهل هو واحد، أو كثير؟ و إذا كان كثيرا فهل هذه الكثرات مرتبط بعضها ببعض ارتباط التعلّق و العلّيّة، أم لا؟ و على تقدير ارتباطها كذلك، فهل تنتهي سلسلة العلل و المعاليل إلى مبدء لا يكون متعلّق الوجود بغيره؟ و هل الإنسان يفنى بالموت، أو أنّ الموت انتقال من دار إلى دار آخر أوسع؟- أهمّ الأسئلة التي يواجهها كلّ متفكّر متفحّص و تبعثه فطرته الباحثة إلى حلّها، و الجواب عنها. و التفكّر حول هذه الأسئلة و أجوبتها- تلك الأجوبة التي لا يمكن العثور عليها إلّا بالعقل، إذ لا مجال للحسّ و التجربة فيها- هو الذي يجعل حياة الإنسان حياة طيّبة إنسانيّة و يميّزها عن الحياة الحيوانيّة، و أيضا، هو الذي يشكّل الحجر الأساس لمنهجه طيلة حياته، فإنّ المفهوم العامّ عن العالم و وجهة النظر إلى الكون أساس ضرورىّ لكلّ ايدئولوجيّ متين.
و الحاصل: أنّ مفهومنا العامّ عن العالم و وجهة نظرنا في الكون، هي القاعدة الأوّليّة لارتقاء حياتنا إلى حياة إنسانيّة. و سعادتنا مرتبطة إلى حدّ كبير بهذا المفهوم. و الخطأ في فهمه قد يؤدّي بنا إلى الشقاء الأبديّ.
و قد روى الصدوق قدّس سرّه في الباب الخامس و الستّين من كتاب التوحيد ص ٤٣٨ و في الباب الثاني عشر من كتاب عيون أخبار الرضا صلوات اللّه و سلامه عليه «انّه عليه السلام قال في تفسير قوله تعالى: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا: يعنى أعمى عن الحقائق الموجودة.» انتهى.
إذا عرفت هذا فنقول: إنّ العلم المتكفّل للإجابة على الأسئلة المذكورة إجابة يقينيّة هي الفلسفة الاولى، فإنّها العلم الباحث عن الوجود بقول مطلق.