نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٥٧
و اشكال خامس، و هو أنّا نتصوّر المحالات الذاتيّة، كشريك الباري، و سلب الشيء عن نفسه، و اجتماع النقيضين، و ارتفاعهما، فلو كانت الأشياء حاصلة بذواتها في الذهن استلزم ذلك ثبوت المحالات الذاتيّة.
وجه الاندفاع: أنّ الثّابت في الذهن إنّما هو مفاهيمها بالحمل الأوّليّ لا مصاديقها بالحمل الشائع. فالمتصوّر من شريك الباري هو شريك الباري بالحمل الأوّليّ. و أمّا بالحمل الشائع فهو ممكن و كيف نفسانيّ معلول للباري مخلوق له.
الأمر الثاني: أنّ الوجود الذهنيّ لمّا كان لذاته مقيسا إلى الخارج ٤٤، كان بذاته حاكيا لما وراءه ٤٥، فامتنع أن يكون للشيء وجود ذهنيّ من دون أن يكون له وجود خارجيّ
و هذه هي الحيثيّة التي
بها يكون الإنسان المعقول مقيسا إلى الخارج. و إلّا فلو استلزم مجرّد كون الشيء
مقيسا إلى الخارج كونه كلّيّا لكان الكثير و الواحد الذي يقابله و ما بالقوّة و ما
بالفعل الذي يقابله امورا كلّيّة، لكون كلّ منها مقيسا: إلى الخارج عنه، أعني ما
يقابله، كما سيصرّح قدّس سرّه بذلك في تنبيه الفصل الأوّل من المرحلة السابعة. لكن
ليس شيء منها كلّيّا لأنّها وجودات خارجيّة، و الوجود مساوق للتشخّص و الجزئيّة. ٤٤- قوله قدّس سرّه:
«أنّ الوجود الذهنيّ لمّا كان لذاته مقيسا إلى الخارج» قد اتّضح بما مرّ آنفا:
أنّ مجرّد كون شيء مقيسا إلى الخارج لا يكفي في كونه حاكيا له. فكان الأولى أن يقول:
لمّا كان لذاته مفهوما من الخارج و ماهيّة له، و إن شئت فقل: لمّا كان لذاته وجودا
ذهنيّا له. ٤٥- قوله قدّس سرّه:
«كان بذاته حاكيا لما وراءه» فالوجود الذهنيّ حاك و
كاشف عن ما وراءه- و هو المراد بالخارج هنا- و لا فرق في ذلك بين التصوّر و بين
التصديق كما لا فرق في التصوّر بين أن يكون تصوّرا مفردا و بين أن يكون مركبا
تامّا أو ناقصا، و إن كان يختلف نوع الكشف فيها. فالتصوّر المفرد و
المركّب غير القضيّة يحكي واقعه من دون أن يحكي وجوده أو عدمه. فالإنسان المتصوّر في
الذهن يحكي واقعه حتّى فيما نصدّق بعدمه أو نشكّ فيه. ففي القضيّة الإنسان معدوم-
سواء كانت القضيّة مصدّقا بها أو مشكوكا فيها- يحكي الإنسان، و هو موضوع القضيّة،
واقع الإنسان، إذ الواقع هو الذي يحكم عليه بالعدم أو يشكّ في عدمه؛ فلو لا أنّ
الإنسان يحكي واقعه لم يمكن الحكم عليه بالعدم أو الشكّ فيه.