نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٣٦
إلى الذهن، حينما نحمله على أشياء، أو ننفيه عن أشياء، كقولنا: الإنسان موجود، و النبات موجود، و الشمس موجودة، و اجتماع النقيضين ليس بموجود، و اجتماع الضدّين ليس بموجود. و قد أجاد صدر المتألّهين قدّس سرّه، حيث قال: «إنّ كون مفهوم الوجود مشتركا بين الماهيّات ٢ قريب من الأوّليّات». ٣
و الاشتراك المعنويّ
عنده عبارة عن كون لفظ واحد، موضوعا لمعنى كلّيّ يقبل الانطباق على كثيرين. و الفرق بين المصطلحين
من وجوه: الأوّل: أنهما عند
الحكيم و صفان للمفهوم و عند الأديب للّفظ. الثاني: أنّ الملاك عند
الحكيم تعدّد المفهوم و وحدته، و عند الأديب تعدّد الوضع و وحدته. الثالث: أنّهما عند
الحكيم لا يختلفان باختلاف اللغات بخلافهما في مصطلح الأديب. الرابع: أنّ الدليل على
كلّ منهما على مصطلح الفيلسوف هو الرجوع إلى الذهن و شهادة الوجدان، بينهما هو على
مصطلح الأديب نصّ أهل اللغة و التبادر و نحوهما. هذا. فالكلام في هذا الفصل
إنّما هو في أنّ الوجود له مفهوم واحد، خلافا لمن زعم أنّ له مفاهيم كثيرة. و بما ذكرنا يظهر النظر
في ما قيل من أنّ المسألة في الحقيقة تبحث عن اللفظ و شؤونه من الاشتراك اللفظيّ و
المعنويّ، و ليس البحث عن الألفاظ و شؤونها من الأبحاث الفلسفيّة. ٢- قوله قدّس سرّه: «إنّ
كون مفهوم الوجود مشتركا بين الماهيّات» الماهيّة هنا هي
الماهيّة بالمعنى الأعمّ، أعني ما به الشيء هو هو، و هو يعمّ الماهيّة بالمعنى
الأخصّ و الوجود و العدم. لأنّ مصداق الشيء في قولنا: ما به الشيء هو هو يمكن أن
يكون هي الماهيّة بالمعنى الأخصّ، و واضح أنّ ما به تلك الماهيّة هي هي إنّما هو
نفسها. و يمكن أن يكون هو الوجود، فما به هو هو يكون هو الوجود الذي هو نفسه. كما
يمكن أن يكون هو العدم، فما به هو هو يكون نفس العدم. و إنّما حملناها على المعنى
الأعمّ، لأنّ الكلام في مفهوم الوجود، حين يحمل على أيّ موضوع أو ينفى عنه. سواء
كانت ماهيّة أم لا. ٣- قوله قدّس سرّه:
«قريب من الأوّليّات» الأوّليّات هي القضايا
الّتي يكفي في التصديق بها تصوّر أجزاء القضيّة من الطرفين و النسبة. و قضيّة «مفهوم الوجود
مشترك معنويّ» ليست كذلك إذ لا يمتنع عند العقل أن يكون مفهوم الوجود متعدّدا.