نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٦٨
المفهوم لا يجب وجود مصداقه و لا عدمه. و عليه فيصير الموادّ الثلاث من المعقولات الثانية المنطقيّة فيناسب مباحث المنطق دون الفلسفة.
قوله قدّس سرّه: «كلّ مفهوم فرضناه ثمّ نسبنا إليه الوجود»
يبدو أنّ الأولى بالبحث الفلسفيّ أن يقال: الوجود إمّا يكون الوجود ضروريّا له بذاته، أو لا. و الأوّل هو الواجب و الثاني هو الممكن و معنى ضرورة الوجود لوجود أنّه بحيث لا يقبل أن يخلفه العدم مطلقا.
فالواجب هو الوجود الذي لا يقبل أن يخلفه العدم بوجه من الوجوه و الممكن هو الذي يقبل أن يخلفه العدم بوجه.
فاذا قلنا: «إنّ وجود زيد ممكن» فمعناه أنّ وجود زيد في الحال و إن كان موجودا إلّا أنّه كان قابلا لأن يكون العدم خليفة له، و أيضا هو قابل لأن يخلفه العدم في المستقبل. كما كان قد خلفه العدم في ما مضى. كلّ ذلك بعدم علّته.
و هذه الصياغة من البحث تمتاز بامور:
الأوّل: أنّه بحث عن الوجود و أحواله، فيكون بحثا فلسفيّا من غير تسامح.
الثاني: أنّ الممكن يصير قسيما للواجب و يتمّ ما رامه قدّس سرّه من تقسيم الوجود إلى واجب و ممكن.
الثالث: أنّه يكون البحث عن كلّ من الأقسام بحثا عن الموجود حقيقة، و هذا بخلاف الصياغة التى اتّخذها المصنّف قدّس سرّه، إذ عليها يكون موضوع الإمكان هي الماهيّة، التي لا تكون موجودة إلّا بالعرض.
الرابع: أنّه يوافق القول بأصالة الوجود. حيث إنّ الموضوع في كلّ من الأقسام هو الوجود.
هذا.
و الأشبه، أنّ المعنى المرتكز في الذهن من الإمكان و الوجوب هو هذا المعنى. و لذا نرى المصنّف قدّس سرّه و غيره قد يميل لا شعوريّا إلى هذا المعنى. فإنّك ترى في الأمر الثالث أنّ المصنّف قدّس سرّه يجعل الممكن قسيما للواجب و يثبت بذلك وجود الإمكان، مع أنّ الممكن على ما تبنّاه قسيم للواجب و الممتنع كليهما.
ثمّ لا يخفى عليك: أنّ ما ذكرنا لا ينافي انقسام الأعدام إلى ممكن و ممتنع، حيث يرى العقل بعض الأعدام يقبل أن يخلفه الوجود فيصفه بالإمكان، و بعضا آخر منها لا يقبل ذلك