نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٤
منّا ٢، كما أنّا نفعل فيها أو ننفعل منها. ٣ هناك هواء نستنشقه ٤، و غذاء نتغذّى به، و مساكن نسكنها، و أرض نتقلّب عليها ٥، و شمس نستضيء بضيائها، و كواكب نهتدي بها، و حيوان،
٢- قوله قدّس سرّه: «ربما فعلت فينا أو انفعلت منّا»
لعلّه تلويح إلى وجه علمنا بوجود ما وراءنا. و خاصله: أنّا نجد فعلنا أو انفعالنا عمّا وراءنا، و يستحيل الفعل أو الانفعال عمّا ليس بموجود، فهناك أشياء موجودة غيرنا.
ثمّ لا يخفى عليك: أنّه لا يضرّ ذلك كون علمنا بوجود العالم الخارجيّ بديهيّا، لأنّه و إن كان علما حاصلا بوسط، إلّا أنّه من قبيل الفطريّات الّتي لا تغيب قياساتها عن الذهن حتّى تكون محتاجة إلى كسب و نظر.
و لا يضرّه أيضا ما لعلماء الطبيعة اليوم من التشكيك في كون الكيفيّات المحسوسة موجودة في الخارج على ما هي عليه في الحسّ، و ذلك لأنّ علمنا بوجود العالم الخارجيّ ليس من المحسوسات، بل مستفاد من علمنا الحضوريّ بانفعالنا عن ما وراءنا. فسواء كان إدراكنا الحسّيّ خطأ أم لا، فنفس الإدراك و هو انفعالنا أمر وجدانيّ لا مجال لإنكاره أو الشكّ فيه. و لمّا كان الانفعال عن العدم مستحيلا فنحن نتيقّن بوجود ما وراءنا. فهو نظير ما إذا سمعت خبرا من مخبر، حيث تتيقّن بوجود المخبر و إن كان خبره مشكوكا فيه بل مقطوع الكذب.
٣- قوله قدّس سرّه: «كما أنّا نفعل فيها أو ننفعل منها»
قال شيخنا المحقّق في التعليقة: «مستدرك».
و وجهه: أن الفعل و الانفعال حقيقتهما واحدة، و إنّما يختلفان باعتبار النسبة إلى الفاعل أو القابل، فقوله: «ربما فعلت فينا أو انفعلت منّا» يدلّ على انفعالنا منها و فعلنا فيها.
٤- قوله قدّس سرّه: «هواء نستنشقه»
استنشق الماء و غيره: جذب منه بالنفس في أنفه. كذا في المعجم الوسيط.
٥- قوله قدّس سرّه: «و أرض نتقلّب عليها»
قال الراغب في المفردات: «التقلّب: التصرّف.» قال تعالى: «وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ». و قال:
«أو يأخذهم في تقلّبهم فما هم بمعجزين».
و في المعجم الوسيط: «تقلّب في الامور: تصرّف فيها كيف شاء. و- في البلاد: تنقّل».
و زاد في أقرب الموارد: «تقلّب على فراشه: تحوّل من جانب إلى جانب» و هذا المعنى الأخير هو المراد هاهنا، و ذلك لأنّه تعدّى بعلى.