نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٧٠
توضيح ذلك: أنّ من التصديقات الحقّة ٨٥ ما له مطابق في الخارج، نحو الإنسان موجود و الإنسان كاتب. و منها ما له مطابق في الذهن ٨٦، نحو الإنسان نوع و الحيوان جنس. و منها
بالوصف أوّلا و توجب اتّصاف التابع ثانيا، كما أنّ حركة الجوهر توجب حركة أعراضه بالتبع. و أمّا الاتّصاف بالعرض فهو اتّصاف مجازيّ و إسناد للوصف إلى غير ما هو له. و بعبارة اخرى الاتّصاف بالتبع و الاتّصاف بالعرض و إن كانا مشتركين في كون كلّ منها اتّصافا بواسطة إلّا أنّ الواسطة في ما بالتبع واسطة في الثبوت و في الاتّصاف بالعرض واسطة في العروض- لكن قد يستعمل أحدهما في مكان الآخر. و منه التبعيّ في كلام المصنّف قدّس سرّه هاهنا، لأنّ غير الوجود لا ثبوت له إلّا بالعرض.
٨٥- قوله قدّس سرّه: «من التصديقات الحقّة»
أي: من التصديقات الصادقة. فإنّ الحقّ هو الصادق ذاتا، و إنّما يختلفان اعتبارا؛ فإنّ الخبر المطابق للواقع يسمّى صادقا باعتبار مطابقته للواقع و حقّا باعتبار مطابقة الواقع له، فإنّ المطابقة من الطرفين.
قال الشيخ في الفصل الثامن من المقالة الأولى من الهيّات الشفاء ص ٤٨:
«أما الحقّ فيفهم منه الوجود في الأعيان مطلقا، و يفهم منه الوجود الدائم، و يفهم منه حال القول أو العقد الذي يدلّ على حال الشىء في الخارج إذا كان مطابقا له، فنقول: هذا قول حقّ، و هذا اعتقاد حقّ. فيكون الواجب الوجود هو الحقّ بذاته دائما، و الممكن الوجود حقّ بغيره، باطل في نفسه. فكلّ ما سوى الواجب الوجود الواحد باطل في نفسه. و أما الحقّ من قبل المطابقة فهو كالصادق، إلّا أنه صادق فيما أحسب باعتبار نسبته إلى الأمر، و حقّ باعتبار نسبة الأمر إليه.» انتهى.
٨٦- قوله قدّس سرّه: «و منها ما له مطابق في الذهن»
و هي القضايا التي تكون محمولاتها من المعقولات الثانيه المنطقيّة، سواء كانت موضوعاتها أيضا كذلك أم لا.
مثال الاولى قولنا: الكلّيّ إمّا ذاتيّ أو عرضيّ، و الجنس إمّا قريب أو بعيد.
و مثال الثانية ما ذكره المصنّف قدّس سرّه
و وجه مطابقة هذه القضايا لما في الذهن- مع أنّ القضيّة نفسها أمر ذهنيّ و لا معنى لمطابقة الشيء لنفسه- هو أنّا نتصوّر الموضوع و تصوّره تحقّقه في الذهن و بتحقّقه يتحقّق كلّ ما له من الصفات و الخواصّ، ثمّ يعود العقل ثانيا فيفحص عنه، و يكشف بعض ما له من الخواصّ،