نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٤٤
بذلك عدم من عدم؛ كعدم البصر المتميّز من عدم السمع، و عدم الإنسان المتميّز من عدم الفرس؛ فيرتّب العقل عليه ما يراه من الأحكام الضروريّة، و مرجعها بالحقيقة تثبيت ما يحاذيها من أحكام الوجود. ٣٤
و من هذا القبيل حكم العقل بحاجة الماهيّة الممكنة في تلبّسها بالعدم إلى علّة، هي عدم علّة الوجود؛ فالعقل إذا تصوّر الماهيّة من حيث هي- الخالية من التحصّل و اللاتحصّل- ثمّ قاس إليها الوجود و العدم، وجد بالضرورة أنّ تحصّلها بالوجود متوقّف على علّة موجودة؛ و يستتبعه أنّ علّة وجودها لو لم توجد، لم توجد الماهيّة المعلولة؛ فيتمّ الحكم بأنّ الماهيّة الممكنة لإمكانها تحتاج في اتّصافها بشيء من الوجود و العدم إلى مرجّح يرجّح ذلك؛ و مرجّح الوجود وجود العلّة؛ و مرجّح العدم عدمها، أي لو انتفت العلّة الموجدة، لم توجد الماهيّة المعلولة؛ و حقيقته أنّ وجود الماهيّة الممكنة متوقّف على وجود علّتها.
المضاف إليه ظرفا له إذا كان خاليا عن الوجود. و ليس المراد أنّه يحصل للعدم ثبوت مفهوميّ في الذهن، لأنّ مفهوم العدم ثابت في الذهن كسائر المفاهيم، سواء اضيف إلى الوجود و الملكات، أم لم يضف. هذا.
ثمّ لا يخفى عليك: أنّ الذي يحتاج فيه العدم إلى الإضافة إلى الوجود إنّما هو التمايز. و أمّا ثبوته باعتبار العقل، فلا حاجة له إلى الإضافة إلى الوجود. فإنّ للعقل أن يعتبر للعدم المطلق ثبوتا، كما صرّح المصنّف نفسه قدّس سرّه بذلك في الفصل الرابع من المرحلة الأولى حيث قال: «ففي جميع ذلك يتصوّر مفهوم العدم، و يفرض له مصداق على حدّ سائر المفاهيم، ثمّ يقيّد المفهوم فيتميّز المصداق.» انتهى.
٣٤- قوله قدّس سرّه: «مرجعها بالحقيقة تثبيت ما يحاذيها من أحكام الوجود»
فقولنا: «عدم العلّة علّة لعدم المعلول»، لا معنى له بالحقيقة إلّا أنّ وجود المعلول متوقّف على وجود العلّة، أي إنّ وجود العلّة علّة لوجود المعلول.