حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ١٢٧ - الباب الخامس في اثبات أنّ دينه
من المعرفة به و بأحكامه، بواسطة بينهم و بينه، يبلّغهم عنه سبحانه و تعالى، سواء كان ذلك الواسطة من جنسهم- كالأنبياء في حقّ سائر البشر- أم من غير جنسهم- كالملائكة في حقّ الرّسل- و إذا جوّز العقل ذلك، و جاءت الرّسل بما تثبّت بأمثاله الرّسالة، من المعجزات الدّالّة على صدقهم، وجب تصديقهم، و الإيمان بهم، و بجميع ما أتوا به.
[و أمّا دليل وجودها]: فإذا وقع الشّكّ في شخص معين، هل هو نبيّ أم لا؟ فسبيل تحصيل اليقين بما يدّعيه من النّبوّة، بأمرين:
أحدهما: مشاهدة ما أقامه من المعجزات الخارقة للعادات، كما سنذكره، و هذا خاصّ بمن عاصره.
و ثانيهما: معرفة خاصّيّة النّبوّة أوّلا، من إدراك الأنبياء ما لا يدركه العقلاء، ثمّ التّسامع بالتّواتر.
كما أنّ من أراد أن يعرف مثلا أنّ الإمام أبا حنيفة- رضي اللّه عنه- فقيه أم لا؟ فسبيله أن يعرف أوّلا حقيقة الفقه ما هو؛ و هو استنباط الأحكام الفرعيّة من الأدلّة الأصليّة، ثمّ ينظر ثانيا فيما نقل عنه، ممّا استنبطه من الفقه، من كتاب اللّه تعالى، و حديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فإنّه يحصل له العلم الضّروريّ بأنّه في أعلى مراتب الفقه.
و كذلك من علم خاصّيّة النّبوّة، ثمّ نظر إلى ما قرّره نبيّنا (صلى اللّه عليه و سلم) من الشّرع، حصل له لا محالة العلم القطعيّ، و الإيمان القويّ بكونه (صلى اللّه عليه و سلم) في أعلى درجات النّبوّة.
هذا كلّه لمن أراد من المؤمنين تقوية اليقين.
و أمّا الجاحد الملحد: فيقرّر عليه أوّلا من دليل العقل عدم استحالة وقوع النّبوّة- كما سبق- ثمّ يقرّر حقيقة المعجزة/ الّتي بها تثبت النّبوّة لمدّعيها. فنقول: المعجزة عبارة عن إيجاد اللّه تعالى أمرا