حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٣٠٧ - غزوة الخندق أو الأحزاب
و بمثل ذلك يعلم جلالة قدرها فيما يجب للّه سبحانه من التنزيه، و لرسله من العصمة.
و منها: إنّ الّذي تولّى كبر الحدثين معا عبد اللّه بن أبيّ، المنافق مرّة بعد أخرى، مع ما سبق من معاشرة النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) له معاشرة حسنة.
قال العلماء: و كان تقريره (صلى اللّه عليه و سلم) له من باب ترجيح المصلحة العامّة، و هي تأليف القلوب و خشية التّنفير عن الإسلام المشار إليه بقوله: «لا يتحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه» [١].
مع ما سبق من غضب قومه له، و أنّ سعد بن عبادة حملته الحميّة، هذا و لو لم يكن لسعد بعد شهود (العقبة و بدر) إلّا قوله يوم (بدر): (و الّذي بعثك بالحقّ، لو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى (برك الغماد) [٢] لفعلنا، أو نخيضها البحر لأخضناها معك) [٣].
فترجّحت هذه المصلحة العامّة على المفسدة الخاصّة به (صلى اللّه عليه و سلم)، لأنّ الأذى راجع إليه و إلى أهله، فاحتمله لمصلحة المسلمين العامّة.
كما عفا عن غورث بن الحارث الّذي اخترط عليه السّيف.
و عن اليهوديّة الّتي أطعمته السّمّ، و غير ذلك. و اللّه أعلم.
[غزوة الخندق أو الأحزاب]
و في هذه السّنة- و هي الرّابعة [٤]-: كانت غزوة/ (الخندق)، و تسمّى غزوة الأحزاب، في شوّال منها، لحول الحول من غزوة (أحد) [٥]، ثمّ غزوة بني قريظة.
[١] أخرجه البخاريّ، برقم (٤٦٢٤). عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما.
[٢] برك الغماد: تقع في جنوب القنفذة ب (١١١) كيلو مترا. و القنفذة: بلدة و ميناء على ساحل البحر الأحمر جنوب جدّة. و برك الغماد قرية من قرى القنفذة.
[٣] أخرجه مسلم، برقم (١٧٧٩/ ٨٣). عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه.
[٤] بل هي في السنة الخامسة.
[٥] قلت: قال ابن القيّم في «زاد المعاد»، ج ٣/ ٢٦٩: (و كانت غزوة