حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٢١٣ - دخول النّبيّ
فأخذ شاة، فقلت له: انفض الضّرع من الشّعر و التّراب و القذى، فحلب لي في قعب معه- أي: قدح- كثبة [١] من لبن، قال: و معي إداوة [٢] أرتوي فيها للنّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، ليشرب منها و يتوضّأ، قال: فأتيت النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و كرهت أن أوقظه من نومه، فوقفت حتّى استيقظ.- و في رواية: فوافقته حين استيقظ- فصببت على اللّبن من الماء حتّى برد أسفله، فقلت يا رسول اللّه: اشرب من هذا اللّبن، فشرب حتّى رضيت، ثمّ قال: «أ لم يأن للرّحيل؟»، قلت: بلى، قال:
فارتحلنا بعد ما زالت الشّمس، فاتّبعنا سراقة بن مالك، و نحن في جلد من الأرض/- أي: موضع صلب- فقلت: يا رسول اللّه أتينا، فقال: «لا تحزن إنّ اللّه معنا»، فدعا عليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قال: فارتطمت فرسه إلى بطنها [٣]، فقال: إنّي قد علمت أنّكما قد دعوتما عليّ، فادعوا لي، فاللّه لكما أن أردّ عنكما الطّلب، فدعا له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فنجا، فجعل لا يلقى أحدا إلّا قال: قد كفيتكم ما هاهنا، و لا يلقى أحدا إلّا ردّه، فوفّى لنا [٤].
[وصول النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) إلى قباء]
فأقام (صلى اللّه عليه و سلم) ب (قباء)، ثمّ دخل (المدينة) يوم الاثنين أيضا [٥].
[دخول النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة، و دعوة الأنصار له بالنّزول عندهم]
قال أبو بكر رضي اللّه عنه: فقدمنا (المدينة) ليلا، فتنازعوا على أيّهم ينزل عليه، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): «أنزل على بني النّجار، أخوال
[١] الكثبة: هي قدر حلبة خفيفة.
[٢] الإداوة: إناء صغير من جلد.
[٣] أي: غاصت قوائمها في تلك الأرض الجلد. (أنصاريّ).
[٤] أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤١٩).
[٥] قلت: لقد كان دخول النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) إلى قباء يوم الاثنين، أمّا وصوله إلى المدينة فكان يوم الجمعة. و سيأتي ذلك فيما بعد ص ٢٥٣.