حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٣٧٩ - بعث النّبيّ
عليّا، و أمره أن يتولّى نبذ العهود، بأن يقرأ على النّاس صدر سورة براءة، لئلّا يبقى للمشركين عذر، إذ كان من عادتهم ألّا يتولّى نبذ العقود إلّا من تولّى عقدها، و هو صاحبها، أو رجل من أهل بيته [١].
قال ابن إسحاق: فلمّا أدرك عليّ أبا بكر، قال له أبو بكر: أ أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور؟، ثمّ مضيا، فكان عليّ ينادي ب (منى): أنّ من كان له أجل فله أربعة أشهر، ثمّ لا عهد له- أي:
لقوله تعالى-: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [سورة التّوبة ٩/ ٢] [٢].
[١] قلت: قال أبو شهبة- (رحمه اللّه)-: و هنا شبهة نرى لزاما أن نعرض لها، و نبيّن الحقّ فيها، و هي: لم عدل النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) عن تبليغ أبي بكر صدر سورة براءة و وكل ذلك إلى عليّ رضي اللّه عنهما؟ و الجواب: أنّ صدر سورة براءة تضمن نقض العهود المطلقة غير المقيّدة بوقت، أو الّتي مدّتها فوق أربعة أشهر فيما زاد عن أربعة أشهر، و كان العرب تعارفوا فيما بينهم في عقد العقود و نقضها ألا يتولّى ذلك إلّا سيّد القبيلة، أو رجل من رهطه، فأراد اللّه عزّ و جلّ أن يكون المبلّغ عن النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) رجلا من أهله، حتّى يقطع ألسنة العرب بالاحتجاج على أمر هو من تقاليدهم، و لا سيّما أنّه ليس فيه منافاة للإسلام، فلذلك تدارك النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الأمر. أخرج التّرمذيّ و أحمد من حديث أنس رضي اللّه عنه قال: بعث النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) براءة مع أبي بكر، ثمّ دعا عليّا فأعطاه إيّاها، و قال: «لا ينبغي لأحد أن يبلّغ هذا إلّا رجل من أهل بيتي»- كما ذكر أعلاه- أنّ جبريل (عليه السّلام) هو الّذي قال للنّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): (إنّه لن يؤدّيها عنك إلّا أنت أو رجل منك). فهذا هو السّبب. لا ما زعمته الرّافضة من أنّ ذلك للإشارة إلى أنّ عليّا أحقّ بالخلافة من أبي بكر رضي اللّه عنهما، و لا أدري كيف غفلوا أو تغافلوا عن قول الصّدّيق رضي اللّه عنه له: أ أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور. و كيف يكون المأمور أحقّ بالخلافة من الأمير؟!! (انظر السّيرة النّبويّة، ج ٢/ ٥٣٩- ٥٤٠).
[٢] ابن هشام، ج ٤/ ٥٤٣- ٥٤٦.