حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٣٢٩ - حزن الصّحابة رضي اللّه عنهم لصلح القوم
أتمّ الوجوه و أكملها، غير أنّ أكثر العقول قصرت عن إدراك غايته و عاقبة أمره.
[حزن الصّحابة رضي اللّه عنهم لصلح القوم]
و في «الصّحيحين»، أنّ سهل بن حنيف قال يوم صفّين:
يا أيّها النّاس، اتّهموا رأيكم على دينكم، فلقد رأيتني يوم أبي جندل و لو أستطيع أن أردّ أمر رسول اللّه لرددته [١].
و لهذا قال اللّه تعالى في هذه القصّة بعينها بعد أن قال:
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ- أي:
بصدّهم عن البيت و إنكارهم لاسم اللّه الرّحمن الرّحيم- إلى قوله تعالى: فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا- أي: من عاقبة الأمر- فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً- أي: صلح الحديبية- [سورة الفتح ٤٨/ ٢٦- ٢٧].
فسمّاه فتحا كما في «الصّحيحين»، عن البراء بن عازب:
تعدّون أنتم الفتح فتح (مكّة)، و قد كان فتح (مكّة) فتحا، و نحن نعدّ الفتح بيعة الرّضوان يوم (الحديبية) [٢].
قال العلماء: فهي المراد بالفتح في قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [سورة الفتح ٤٨/ ١]؛ لأنّها نزلت عند انصرافهم منها، ثمّ قال فيها: فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [سورة الفتح ٤٨/ ٢٧].
و المراد به فتح (خيبر)؛ لأنّهم افتتحوها بعد انصرافهم من (الحديبية)، ثمّ وعدهم فتح (مكّة) بقوله: إِذا جاءَ/ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ [سورة النّصر ١١٠/ ١].
قال العلماء: و لم يكن فتح قبل الفتح أعظم من صلح (الحديبية)،
[١] أخرجه البخاريّ، برقم (٦٨٧٨). و مسلم برقم (١٧٨٥/ ٩٥).
[٢] أخرجه البخاريّ، برقم (٣٩١٩).