حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٣٥٨ - ارتحال المسلمين
[غزوة الطّائف]
و أمّا غزوة الطّائف: فإنّه (صلى اللّه عليه و سلم) توجّه إليها لقتال من شرد إليها من (حنين)، و مرّ على طريقه بحصن مالك بن عوف النّصريّ السّابق ذكره، قائد هوازن، فهدمه، ثمّ ارتحل، فحاصر أهل (الطّائف) بضعا و عشرين ليلة من شهر شوّال، و قاتلهم قتالا شديدا، فلم يظفر بهم، بعد أن رماهم بالمنجنيق، و حرّق أعنابهم، فلمّا انصرف قيل له: ادع عليهم، فقال: «اللّهمّ اهد ثقيفا و ائت بهم» [١].
فهداهم اللّه بدعوته، فأتوا إلى (المدينة) مسلمين، بعد أن تقدّم قبلهم مالك بن عوف فأسلم، ثمّ رجع إليهم، فدعاهم إلى اللّه، و أتى بهم إلى النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) مسلمين، و من شعر مالك بن عوف حين أسلم، [من الكامل] [٢]:
ما إن [٣]رأيت و لا سمعت بمثله* * * في النّاس كلّهم كمثل محمّد
أوفى و أعطى للجزيل إذا اجتدي* * * و متى تشأ يخبرك عمّا في غد
و إذا الكتيبة عرّدت أنيابها* * * بالسّمهريّ و ضرب كلّ مهنّد [٤]
فكأنّه ليث على أشباله* * * وسط الهباءة خادر في مرصد [٥]
[ارتحال المسلمين]
و في «صحيحي البخاريّ و مسلم»، عن عبد اللّه بن عمر بن
[١] أخرجه التّرمذيّ، برقم (٣٩٤٢). عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما.
[٢] ابن هشام، ج ٣/ ٤٩١.
[٣] إن: زائدة للتوكيد، و المعنى: ما رأيت ما رأيت.
[٤] عرّدت أنيابها: قويت و اشتدّت. السّمهريّ: الرّمح. المهنّد:
السّيف.
[٥] الهباءة: الغبار يثور عن اشتداد الحرب. الخادر: الأسد في عرينه.
يصفه بالقوّة، لأنّه حينئذ يكون شديد البأس لخوفه على أشباله.
المرصد: المكان الّذي يرقب منه. و يصفه باليقظة و الانتباه.