حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٢٩٨ - حديث الإفك
يا عدوّ اللّه، لا تدخلها إلّا بإذن من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، حتّى تعلم أنّه الأعزّ و أنت الأذلّ، و لئن أمرني رسول اللّه لأضربنّ عنقك.
فأرسل إليه النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أن خلّ عنه، فخلّى عنه، و أتى النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: يا رسول اللّه إن شئت أن آتيك برأسه فمرني بذلك؟ فقال:
«بل نعاشره معاشرة حسنة حتى يموت أو نموت، لئلا يتحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه» [١].
فعامله (صلى اللّه عليه و سلم) بالإحسان مدّة حياته، و كفّنه في قميصه بعد وفاته، و استغفر له قبل أن ينهى عنه، و قام على قبره و أراد أن يصلّي عليه، فنهي بنزول قوله تعالى: وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ ماتُوا وَ هُمْ فاسِقُونَ [سورة التّوبة ٩/ ٨٤].
[حديث الإفك]
و أمّا حديث الإفك فروى البخاريّ و مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: خرجت مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في غزاة، فأنا أحمل في هودجي، فلمّا دنونا من (المدينة)، آذن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ليلة بالرّحيل، فقمت لأقضي حاجتي، فأبطأت، فأقبل الرّهط الّذين كانوا يرحلوني [٢]، فاحتملوا الهودج، فرحلوه على بعيري، و هم يحسبون أنّي فيه، فجئت المنزل فإذا ليس فيه أحد، فجلست مكاني، و كان صفوان بن المعطّل قد تخلّف عن الرّكب، فأصبح بالمنزل، فلمّا رأى سوادي عرفني، فاسترجع [٣]، فو اللّه ما كلّمني كلمة، ثمّ أناخ راحلته لي، فركبتها، و أخذ بزمامها يقود بي حتّى
[١] أخرجه البخاريّ، برقم (٤٦٢٤)؛ عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما.
[٢] رحل البعير: جعل عليه الرّحل. و الرّحل: ما يوضع على ظهر البعير للرّكوب.
[٣] أي قال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون.