حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٢٧١ - دعاء النّبيّ
يمنعون منه أنفسهم، ممّن دهمه [١] إلى (المدينة)، و لكن كان الإيمان قد تمكّن في قلوبهم، و اعتقدوا وجوب طاعته و نصرته (صلى اللّه عليه و سلم)، حتّى لو أمرهم بقتل آبائهم و أبنائهم لامتثلوا أمره.
فقام سعد بن عبادة رضي اللّه عنه فقال: إيّانا تريد يا رسول اللّه؟ قال: «نعم»، قال: و الّذي بعثك بالحقّ، لو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى (برك الغماد) [٢]- أي: بالمعجمة- لفعلنا، و لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها.
فسرّ بذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: «سيروا على بركة اللّه، و اللّه لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم» [٣].
[مبادرة النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) قريشا إلى الماء و بناء العريش له]
فساروا حتّى نزل النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) على أدنى ماء من مياه (بدر) إلى عسكره، فأشير عليه أن ينزل على أدنى ماء إلى العدوّ، و يترك المياه كلّها خلفه، ففعل. و بني له عريش يستظلّ فيه.
[دعاء النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) على قريش]
و لمّا أقبلت قريش قال النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «اللّهمّ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها و فخرها، تحادّك و تكذّب رسولك، اللّهمّ أحنهم- أي:
أحضر حينهم و هو هلاكهم- الغداة، اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة- يعني: المسلمين- لا تعبد في الأرض» [٤].
و ما زال يهتف بربّه- أي: يدعوه- حتّى سقط رداؤه، فأخذ
[١] دهمه: فجأه.
[٢] برك الغماد: تقع في جنوب القنفذة ب (١١١) كيلو مترا. و القنفذة: بلدة و ميناء على ساحل البحر الأحمر جنوب جدّة. و برك الغماد قرية من قرى القنفذة.
[٣] أخرجه البيهقيّ في «سننه»، ج ٣/ ١٠٦.
[٤] أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل»، ج ٣/ ١١٠.