حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٣٤٣ - ابتداء القتال و استشهاد الأمراء الثّلاثة
لخواره، و كثر بكاء النّاس حتّى وضع النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) يده عليه فسكت، و قال: «إنّ هذا بكى لما فقد من ذكر اللّه، و الّذي نفسي بيده، لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة». ثمّ أمر به فدفن تحت المنبر [١].
[غزوة مؤتة]
و فيها- [أي: السّنة الثّامنة]- في جمادى الأولى منها: كانت غزوة (مؤتة)- بضمّ الميم مهموزا و بفوقيّة- و هي قرية من قرى (البلقاء بالشّام) دون (دمشق)، انتهت غزوتهم إليها، و أكرم اللّه عزّ و جلّ فيها زيدا و جعفرا و ابن رواحة بالشّهادة.
و كان من خبرها أنّ النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بعث جيشا، و هم ثلاثة آلاف، و أمّر عليهم زيد بن حارثة، و قال: «إن قتل زيد فجعفر، و إن قتل جعفر فعبد اللّه بن رواحة» [٢].
[عدّة العدوّ، و تشاور المسلمين]
فساروا إلى (الشّام) فلقيهم هرقل في مائتي ألف، فتشاور المسلمون في أن يراجعوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فيمدّهم أو يأمرهم بأمره، فشجّعهم عبد اللّه بن رواحة، و قال: يا قوم، إنّما هي إحدى الحسنيين: إمّا النّصر، و إمّا الشّهادة، فقالوا: صدقت.
[ابتداء القتال و استشهاد الأمراء الثّلاثة]
فمضوا حتّى التقوا ب (مؤتة)، فتقدّم زيد فقاتل بالرّاية حتّى قتل.
فأخذها جعفر فقاتل قتالا شديدا، و هو فارس/، فلمّا أحاطوا به نزل عن فرسه فعقرها، فكان أوّل من عقر فرسا في الإسلام، ثمّ قاتل حتّى قطعت يمينه، فأخذ الرّاية بشماله، فقطعت أيضا، فاحتضن الرّاية بعضديه حتّى قتل. فعوّضه اللّه بهما جناحين يطير بهما في الجنّة. فسمّي الطّيّار. رواه التّرمذيّ و الحاكم [٣].
[١] أخرجه الدّارمي، برقم (٤١). عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه.
[٢] أخرجه البخاريّ، برقم (٤٠١٣). عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما.
[٣] أخرجه الحاكم في «المستدرك»، ج ٣/ ٢٠٨. و أحمد في «مسنده»، ج ١/ ٢٠٤. عن ابن عمر رضي اللّه عنهما.