حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٣٥٥ - ما نزل من القرآن في يوم حنين
فما رئي في النّاس يومئذ أشدّ منه.
و روى ابن إسحاق عن العبّاس رضي اللّه عنه قال: شهدت مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم (حنين)، فلزمته أنا و أبو سفيان بن الحارث، فلم نفارقه.
[عودة المسلمين و احتدام القتال]
فلمّا التقى الجمعان، ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يركض بغلته [١] قبل الكفّار، قال عبّاس: و أنا آخذ بلجام بغلته، أكفّها إرادة أن لا تسرع، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): «يا عبّاس، ناد أصحاب السّمرة»- أي: أهل بيعة الرّضوان- و كان العبّاس صيّتا [٢]، فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السّمرة؟، فقالوا:
يا لبّيك، يا لبّيك، فو اللّه لكأنّ عطفتهم عليّ حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فاقتتلوا هم و الكفّار، فنظر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى قتالهم، فقال: «هذا حين حمي الوطيس» [٣].
[رمي النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) المشركين بالحصى]
ثمّ أخذ (صلى اللّه عليه و سلم) كفّا من الحصباء فرمى به وجوه الكفّار، و قال:
«شاهت الوجوه»، فما خلق اللّه منهم إنسانا إلّا ملئت عينه ترابا من تلك القبضة، فولّوا مدبرين، و هزمهم اللّه.
[ما نزل من القرآن في يوم حنين]
و أنزل اللّه في ذلك: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ
و قد انتسب النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) لجدّه لأنّه كان أشهر و أذكر عند العرب، أمّا أبوه فقد مات و هو شابّ.
[١] يركض بغلته: يضربها برجله الشّريفة على كبدها لتسرع.
[٢] صيّتا: شديد الصّوت، عاليه.
[٣] أخرجه مسلم، برقم (١٧٧٥). الوطيس: الضّراب في الحرب، و لم يسمع هذا الكلام من أحد قبل النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) عبّر به عن اشتباك الحرب و قيامها على ساق.