حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٢٠٩ - خروج النّبيّ
قالت عائشة رضي اللّه عنها: فبينما نحن جلوس في نحر الظّهيرة- حين تبلغ الشّمس منتهاها من الارتفاع، كأنّها وصلت إلى النّحر، و هو أعلى الصّدر- إذ أقبل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال أبو بكر:
فداه أبي و أمّي، ما جاءنا في هذه السّاعة الّتي لم يكن يأتينا فيها إلّا لأمر قد حدث، فلمّا دخل (صلى اللّه عليه و سلم) قال له: «أخرج من عندك»، قال: فإنّما هم أهلك. قال: «فإنّي قد أذن لي في الخروج»
و واعده وقت السّحر، و أمره بالتّجهيز.
قالت عائشة: فجهّزناهما أحثّ الجهاز- بالمثلّثة، أي:
أسرعه- و استأجرا رجلا دليلا ماهرا [١]، قد دفعا إليه راحلتيهما، و واعداه (غار ثور) بعد ثلاث ليال.
[خروج النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و أبي بكر إلى الغار]
ثمّ لحقا ب (الغار)، فمكثا فيه ثلاثا يبيت عندهما عبد اللّه بن أبي بكر، و هو يومئذ غلام فطن، و يدّلج [٢] من عندهما بسحر، فيصبح ب (مكّة) مع قريش كبائت فيها، فلا يسمع أمرا يكادان به إلّا وعاه، و أتاهما بذلك حين يختلط الظّلام، و يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منائح من غنم [٣]، فيريحها عليهما عشيا [٤]،
أنت يا رسول اللّه إحدى راحلتيّ هاتين، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
«بالثّمن». فأخذ إحداهما، و هي: القصواء. و إنّما اشترط النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أن يكون ذلك بالثّمن مع أنّ أبا بكر أنفق ما له في سبيل اللّه و رسوله؛ لأنّه أحبّ ألّا تكون هجرته إلّا من مال نفسه. و كان ثمنها أربع مائة درهم.
[١] و هو: عبد اللّه بن أريقط. (ابن هشام، ج ١/ ٤٨٥).
[٢] يدّلج: يخرج وقت السّحر منصرفا إلى مكّة.
[٣] المنائح- جمع منيحة-: و هي منحة اللبن- كالناقة أو الشاة- تعطيها غيرك يحلبها ثم تردها عليك.
[٤] أي: يأوي بها ليلا.