حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٣٣٦ - فائدة في أنّ حبّ الرّئاسة هو الّذي أضلّ هرقل
و زاد في رواية: أنّ هرقل جمع عظماء الرّوم في دسكرة [١]، و أمر بإغلاق أبوابها، و أشرف عليهم، و قال: يا معشر الرّوم، هل لكم في الفلاح و الرّشد، و أن يثبت ملككم إلى الأبد؟ أن تبايعوا لهذا النّبيّ، فنفروا نفرة شديدة إلى الأبواب، فوجدوها قد غلّقت، فلمّا رأى هرقل نفرتهم، و أيس من إيمانهم، قال: ردّوهم عليّ، و قال: إنّي قلت مقالتي تلك أختبر بها شدّتكم على دينكم، و قد رأيت، فسجدوا له، و رضوا عنه [٢].
فائدة [: في أنّ حبّ الرّئاسة هو الّذي أضلّ هرقل]
لا تخفى حسن سياسة هرقل. و قوّة إدراكه، و ثقوب فهمه، بما استدلّ به على صحّة نبوّة محمّد (صلى اللّه عليه و سلم) و صدقه، من البراهين الإقناعيّة لو ساعده التّوفيق، و لكن غلب عليه حبّ الرّئاسة، و هو الدّاء العضال الّذي غلب على إبليس فأبى و استكبر، مع سبق الشّقاوة، و لو وفّقه اللّه للهداية كما وفّق النّجاشيّ، لتلطّف لقومه في ظاهره، و آمن بقلبه، و أحسن إلى المسلمين بيده و لسانه، فجمع بين ملك الدّنيا و الآخرة، و لكنّه ممّن أضلّه اللّه على علم، و كان منه ما سيأتي قريبا؛ من خروجه في محاربة اللّه و رسوله في قتال جعفر و أصحابه بغزوة (مؤتة)، فأكرمهم اللّه تعالى بالشّهادة على يديه، و أشقاه. و العياذ باللّه تعالى.
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [سورة آل عمران ٣/ ٨].
[١] الدّسكرة: بناء كالقصر، حوله بيوت للأعاجم، فيها الشّراب و الملاهي.
[٢] أخرجه البخاريّ، برقم (٧).