حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ١٢٩ - الباب الخامس في اثبات أنّ دينه
بعجزهم و عجز من سواهم عن مقاومته.
[و أمّا صحّتها]: و لمّا بعث اللّه نبيّنا محمّدا (صلى اللّه عليه و سلم) كان منتهى علم أهل عصره، و غاية المعرفة و الكمال عندهم أمران:
أحدهما: فصاحة المنطق، و بلاغة الكلام، و التّفنّن فيه نثرا و نظما، في خطبهم/ و أشعارهم.
و ثانيهما: علم الكهانة و الزّجر [١]، و الإخبار عن الحوادث.
فجعل اللّه معجزته العظمى ما أنزل عليه من الكتاب الحكيم، على هذا الأسلوب الغريب، الّذي لم يهتدوا إلى طريقه، و لا سلكوا سبيله، و تحدّاهم أن يأتوا بمثله، ثمّ بعشر سور منه، ثمّ بسورة، فعجزوا، و جعله مشتملا على الإخبار بالمغيّبات، و كشف المخبّات الّتي اعترف بصحّتها و أذعن لصدقها أعدى الأعداء له، و أبطل بذلك ما كانوا عليه من الكهانة، الّتي تصدق مرّة و تكذب ألفا.
فلمّا ادّعى (صلى اللّه عليه و سلم) النّبوّة و الرّسالة إلى النّاس كافّة، و أظهر المعجزات، و عظيم الآيات، الّتي لم تعارض في جميع الأوقات؛ دلّ ذلك قطعا على صدق ما ادّعاه.
أمّا دعواه النّبوّة و الرّسالة: فمعلوم بالتّواتر بين البرّ و الفاجر، لا يختلف فيه مؤمن و كافر.
و أمّا إقامته على ذلك الدّلائل الظّاهرة، و المعجزات الباهرة؛ فلما نقله الخلف عن السّلف، من الأمور الخارقة- كانشقاق القمر، و تسليم الحجر، و إجابة الشّجر، و حنين الجذع، و تسبيح الحصى، و تفجير الماء من بين أصابعه، و تكثير الطّعام القليل ببركته- و غير ذلك
[١] الزّجر: النّهي. و إنّما سمّي الكاهن زاجرا لأنّه إذا رأى ما يظنّ أنّه يتشاءم به زجر بالنّهي عن المضيّ في تلك الحاجة.