حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ١٢٨ - الباب الخامس في اثبات أنّ دينه
خارقا للعادة على يدي مدّعي الرّسالة، للدّلالة على تصديق اللّه له.
فكلّ ما أظهره اللّه سبحانه و تعالى على أيدي الأنبياء (عليهم الصّلاة و السّلام) ممّا يعجز البشر عن الإتيان بمثله؛ فهو من معجزاتهم الدّالّة على نبوّتهم، لأنّه لمّا كان لا يقدر أن يوجد ذلك الفعل إلّا اللّه تعالى، كان إيجاده على أيديهم قائما بلسان الحال، مقام التّصديق بلسان المقال: صدق عبدي في ما ادّعاه [١].
كما لو قال شخص عاقل بحضرة الملك: معاشر المسلمين!! إنّ السّلطان قد نصب فلانا عليكم حاكما، فاسمعوا له، و أطيعوا، و لم ينكر عليه الملك، علم الحاضرون بتقرير الملك صدق ذلك القائل.
فالمعجزة مع التّحدّي قائمة مقام قول اللّه تعالى: صدق عبدي فاتّبعوه، و ذلك عند عجزهم عن معارضته تلك المعجزة، و اعتراف أعلم أهل ذلك العصر أنّ مثل هذا غير داخل في طوق البشر.
و لهذا فإنّه لمّا كان زمن موسى (عليه السّلام) غاية علم أهله التّفنّن في السّحر، بعثه اللّه إليهم بمعجزة تشبه ما يدّعون كمال المعرفة فيه، ثمّ جاءهم بما خرق به عادتهم، و أبطل سحرهم.
و لمّا كان زمن عيسى (عليه السّلام) غاية علم أهله التّفنّن في الطّب، جاءهم بما لا يقدرون عليه، من إحياء الموتى، و إبراء الأكمه و الأبرص، دون معالجته.
و هكذا سائر معجزات الأنبياء (عليهم السّلام)، إنّما تكون بأمر شائع بين أهل ذلك العصر العلم به، و التّفنّن في المعرفة به على أقصى درجات الكمال عندهم، لتقوى عليهم الحجّة، و يعترفون
[١] أي: إيجاد اللّه تعالى المعجزة على أيدي الأنبياء (صلوات اللّه عليهم أجمعين) قائمة مقام قول اللّه تعالى في الحديث القدسيّ: (صدق عبدي فيما ادّعاه).