حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ١٢٦ - الباب الخامس في اثبات أنّ دينه
فإنكار بعض العقلاء لطور النّبوّة كإنكار المميّز لطور العقل، و إنكار الأعمى للمبصرات، و الأخشم للمشمومات، و ذلك عين الجهل، إذ لا مستند له إلّا أنّ هذا طور لم يبلغه عقله إدراكا.
فنقول له: إن لم يدركه عقلك بمباشرة فلا تحل جوازه، كما لا يحيل الأعمى وجود المبصرات، و يجب عليه أن يقول: إنّ الحاسّة الّتي تدرك بها المبصرات وجدت في غيري فأدركها، و لم توجد فيّ فلم أدركها.
فحينئذ الشّكّ في النّبوّة إمّا أن يكون في إمكانها، أو في وجودها في العالم، أو في وقوعها مطلقا، أو في إثباتها لشخص معين.
أمّا دليل إمكانها: فظاهر ممّا تقرّر من أنّ العقل لا يحيل من أن يترقّى الإنسان الكامل إلى طور فوق طور العقل، يفتح اللّه لقلبه عينا يدرك بنورها ما لم يدركه العقل، كما ترقّى المميّز إلى طور العقل، و الطّفل إلى طور التّمييز، و كما أنّ اللّه سبحانه قادر على أن يخلق في قلوب عباده المعرفة به، و بأسمائه الحسنى، و صفاته العلى، و جميع تكليفاته الشّرعيّة، ابتداء بغير واسطة، كقوله تعالى:
وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ [سورة البقرة ٢/ ٣١] و قوله تعالى: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [سورة الكهف ١٨/ ٦٥]. و آدم نبيّ، و العبد وليّ، و كلاهما اشتركا في تعليم العلم اللّدنّيّ بغير واسطة.
و طور النّبوّة/ أيضا فوق طور الولاية، يعلمه الوليّ و يؤمن به، كما يعلم أنّ طور الولاية فوق طور العقل ذوقا و مباشرة، و كذلك العقل لا يمنع أن يوصل اللّه إلى من ارتضاه من رسله العلم بما سبق