حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ١٢٥ - الباب الخامس في اثبات أنّ دينه
فإن زعمت أنّه مكذّب بما لم يحط بعلمه من المشمومات، فهو أيضا يزعم أنّك مكذّب بما لم تحط به من الألوان المبصرات، و لا يسعك إلّا أن تؤمن له بوجود الألوان و تنوّعها، و يؤمن لك بوجود المشمومات و تنوّعها. و هكذا في المطعومات و الملموسات و المسموعات.
و هذا الإدراك حاصل للطّفل، لا يدرك غيره من العوالم إلى سنّ التّمييز، فإذا بلغ سنّ التّمييز خلق اللّه فيه أمورا عقليّة زائدة على تلك الحسّيّة؛ كالتّمييز بين الجائزات و المستحيلات و الواجبات.
فإذا قلت مثلا للطفل: رشّ هذا الحجر ليصير ليّنا كالطين اعتقد جواز ذلك دون المميّز، و لو قلت للمميّز الّذي سقط من يده القدح الّذي فيه الشّراب: هذا القدح انكسر و الشّراب لم يتبدّد لعلم أنّك تهزأ به، إذ من لوازم انكسار القدح تبدّد الشّراب الّذي هو فيه.
و هكذا لو قلت له غير ذلك. و هو في هذا العالم إلى بلوغ سنّ التّكليف الّذي يتحمّل به الأمانة الشّرعيّة فيكمل تمييزه، فيخلق اللّه فيه طورا آخر من العقل، بحيث يوثق بأقواله و أفعاله، و تطمئنّ النّفس لمعظم أحواله، و لا يزال يزداد بالتّجربة عقلا. فكلّ عاقل يقطع بأنّ سنّ التّمييز طور وراء سنّ الطّفوليّة، و سنّ العقل طور وراء سنّ التّمييز.
و إذا قطع العاقل/ بذلك قلنا له: ليس في العقل أيضا ما يحيل أنّ فوق طوره طورا آخر، و فوق ذلك الطّور طورا آخر، و هلمّ جرّا.
فكما أنّ قدرة اللّه صالحة لأن يخلق في المميّز ما لم يدركه الطّفل من العلم، و في العاقل ما لم يدركه المميّز؛ فهو سبحانه قادر على أن يخلق في بعض العقلاء طورا لا يدركه العقلاء؛ من الاطلاع على الغيب، و فتح عين في القلب تسمى: البصيرة الباطنة، بمثابة البصر لعين الرأس الظّاهرة، و العقل عن هذا الطّور معزول، كعزل قوّة الحواسّ عن التّمييز، و عزل التّمييز عن المعقولات،