حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٥٦ - خطبة في التّعريف بمولده الشّريف، و قدره العليّ المنيف
قلت: المشهور في الأحاديث الصّحيحة أنّهما غسّلاه بماء زمزم. فلذلك جزم البلقينيّ و غيره من المتأخّرين أنّ ماء زمزم أفضل من الكوثر.
ثمّ ماتت لسنّ تمييزه أمّه، و كفله جدّه، ثمّ عمّه، و لم يزل (صلى اللّه عليه و سلم) ينشأ و عين العناية ترعاه و تحفظه ممّا يحذره و يخشاه، و منحه اللّه تعالى منذ نشأ كلّ خلق جميل، و أحلّه من القلوب بالمحلّ الجليل، و عرف من بين أقرانه بالعفّة و الصّيانة، و تميّز عند أهل زمانه بالصّدق و الأمانة.
و لمّا أخذت مطالع بعثته في أفق سموّها، و آن لشمس نبوّته أن تطلع من علوّها؛ حبّبت إليه الخلوة للأنس بربّه. فكان يخلو في (حراء) و يتنعّم بقربه، و كانت تظهر له الأضواء و الأنوار، و تسلّم عليه بالرّسالة الأحجار و الأشجار.
ثمّ كان وحيه مناما، و تعليمه إلهاما، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح، و لا ينوي أمرا إلّا ظفر بالفوز و النّجح.
فلمّا بلغ الأربعين؛ جاءه جبريل الأمين من ربّه ذي الجلالة، بمنشور [١] النّبوّة و الرّسالة، فأقرأه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [سورة العلق ٩٦/ ١- ٥].
فمكث (صلى اللّه عليه و سلم) ب (مكّة) ثلاث عشرة سنة، يدعوهم إلى سبيل ربّه بالحكمة و الموعظة الحسنة، فامن به من سبقت له السّعادة في دار البقاء، و كذّب به من كتب عليه في الأزل الشّقاء.
[١] المنشور: بيان بأمر من الأمور يذاع بين النّاس ليعلموه. (أنصاريّ).